الجند نت

أخبار العالم بين يديك

هل برز مسرح العبث السوري بعد الحرب؟

ما المقصود ب “مسرح العبث” ؟

تتلاقى أغلب الدراسات النقدية والكتب التاريخية عن مسرح العبث، بأن نشأته كانت نتاجاً عن أهوال الحرب العالمية، فيأتي في النص الأساسي للمنظر الأول عن مسرح العبث (مارتن إسلين) بأن: “دراما العبث بشكلها الحالي ظاهرة من ظواهر الحرب”.

وفي ظل ذلك، يبدو التساؤل مطروحاً: هل أنتجت الحرب السورية ميلاً إلى العبث وقواعده وتقنياته وموضوعاته في الإنتاج المسرحي السوري الراهن؟ وللإجابة عن هذا التساؤل لابد من تحديد العناصر الأساسية لمسرح العبث الشهير، فصحيح أن كلمة مستعملة بشكل واسع في لغة المسرح الراهن، إلا أن المختصين يدركون كم وصف مسرح العبث في العديد من الأماكن التي ينتمي إليها، وهذا يعود إلى الضبابية التي تحدد مواصفات مسرح العبث، حتى أن المترجم (صدقي عبد الله حطاب) يفضل ترجمة “دراما اللا معقول”، بما فيها من أبعاد ومعانٍ مغايرة.

العناصر الأساسية للمسرحية العبثية:

ولذلك فإن العودة إلى كتابات (مارتن إسلين) أساسية، كونه الباحث المسرحي والأكاديمي الإنكليزي، الذي استعمل للمرة الأولى مصطلحاً في كتاباته ومن بعدها عمل على التنظير له بإصدار الكتب التي تتضمن دراسات نقدية ونصوصاً مسرحية يراها مطابقة لرؤيته عن مسرح العبث. وتعتبر مقدمته الشهيرة المرافقة لنشر أربعة نصوص مختارة من مسرح العبث المرجع الأساسي الذي ركز فيه وطور فيه نظريته لمصطلح (مسرح العبث)، والذي تضمن نصوص: (أميديه، يوجين يونيسكو)، (الأستاذ تاران، آرتور أداموف)، (الجلادان، فرناندو آربال)، (قصة حديقة الحيوان، إدوارد ألبي). من خلال هذه المقدمة الشهيرة يمكن استخلاص العناصر الأساسية لمسرح العبث والبحث عنها في الإنتاج المسرحي السوري في ظل الحرب.

 

من عرض الجانب الآخر من الحديقة فرقة كون إخراج أسامة حلال

 

في نصه هذا يبين (إيسلن) أن مصطلح مسرح (العبث) خلط واختزل العديد من الأسس الفنية والفلسفية، واعتبر أنه ليس هناك مسرحية بالتمام يمكن عليها انطباق وصف “المسرحية العبثية”، لأن حضور عناصر العبث يحضر بدرجات متفاوقة بين عمل مسرحي وآخر: ” ولهذا فإن تسمية من هذا النوع تساعد في الفهم، ومقياس صلاحها هو مدى مساعدتها لنا على فهم واستيعاب العمل الفني. وهي ليست تصنيفاً ملزماً، ولاشك أنها ليست شاملة أو جامعة مانعة. فقد تحتوي مسرحية على بعض العناصر التي يمكن فهمها جيداً على ضوء مثل هذه التسمية، في حين نجد أن هناك عواملَ أخرى في نفس المسرحية مستمدة من تقليد مغاير ويمكن فهمها بصورة أفضل على ضوء ذلك التقليد”.

الصور الرمزية والأحلام:

يعتقد إيسلن أن العنصر الذي يجمع بين مسرحيات العبث هو الصور الشعرية، فالمتلقي يجد أمامه على الخشبة عالماً رمزياً إلى الشرط الإنساني وأوضاعه. في مسرحية (في انتظار غودو) نجد (فلاديمير وأستراغون) في مكان مطلق، مجرد شجرة وطريق، ينتظران بلا نهاية. هذه الصور الشعرية هي رمز لحال الانتظار الإنساني، والوجود في قعر العدم. رمزية السينوغرافية المسرحية هي عمق المقولة المسرحية، يقترح الفنان التشكيلي والسينوغرافي المسرحي (أحمد المعلا) إخراج هذه المسرحية على الشكل التالي: “نفتح الستارة، تظهر الشمس، تغيب الشمس، نغلق الستارة، وهكذا نعيدها عدة مرات أمام الجمهور”. من خلال هذا الاقتراح الإخراجي يمكننا أن ندرك معنى الصور الشعرية في مسرح العبث.

التوثيقية والواقعية:

لكن من المعروف أن الإنتاج المسرحي السوري منذ عام 2011 نحا باتجاه التوثيقية، والواقعية ولقد ساهم المسرح في رواية الحدث السياسي والاجتماعي بدافع من التوثيق في بعض الأحيان، كما تم الأمر في فنون أخرى مثل السينما والرواية. عدا عن ذلك، فإن النصوص الثلاث التي نشرت تحت عنوان (نصوص ورشة الكتابة للخشبة، 2018) لثلاثة كتاب مسرحيين شباب تنحو في سينوغرافيتها ومكان أحداثها إلى الواقعية، فتجري أحداث مسرحية (فيلم عاطفي قصير، وسيم الشرقي) في شقة استديو صغيرة. بينما تجري أحداث مسرحية (حبك نار، مضر الحجي) داخل مخيم، وتتوزع فصول مسرحية (وقائع مدينة لا نعرفها، وائل قدور) على عدد من الأماكن الواقعية في المدينة: مستشفى حكومي، غرفة التحقيق، ونايت كلوب في أحد أحياء دمشق.

 

صورة من مسرحية الإعتراف، وائل قدور، عبد الله الكفري.jpg
صورة من مسرحية الاعتراف، وائل قدور، عبد الله الكفري

 

مثال آخر عن الصور الرمزية في  مسرحيات العبث من (أميديه، يوجين يونيسكو)، نرى في المسرحية رجلاً وزوجته وهما في منتصف العمر في موقف واضح أنه لم يؤخذ من الحياة الواقعية، إنهما لم يغادرا شقتهما منذ سنوات، وفي غرفة نومها جثة مضى عليها سنوات كثيرة، وهي تظل تزداد في نموها، لتكتسح المنزل بالكامل وتغلق المسرح بتضخمها المستمر، وهذا ما يجعل المسرح شبيهاً بالأحلام والكوابيس برأي أيسلن: “ومن طبيعة الأحلام والصور الشعرية أن تكون غامضة وأن تحمل في نفس الوقت حشداً من المعاني ومن ثم فإن من العبث أن نسأل ما الذي ترمز إليه صورة الجثة النامية. ومن ناحية أخرى يستطيع المرء أن يقول إن الجثة تثير في النفس القوة المتزايدة لأخطاء سابقة، أو لجرم ماض، وربما ذبول الحب أو موت الود – أي أنها على أية حال رمز لشر ما يتقيح ويزداد سوءاً مع مرور الأيام. ويمكن أن ترمز الصورة لفكرة واحدة من هذه الأفكار أولها كل مجتمعة. وأن قدرتها على احتوائها هذه الأفكار كلها تعطيها القوة الشعرية التي تمتلكها من غير شك“.

يمكن البحث عن المسرح كصورة رمزية في عروض فرقة (كون) المسرحية، وذلك لنوعها الفني القريب من المسرح الحركي، الإيمائي، والكوريوغرافي، مما يسمح بتحويل المكان المسرحي إلى مكان رمزي، في مسرحية (سيلوفان) يرمز المكان المسرحي إلى المطار، إلى السفر، إلى القوارب، إلى الترحال. وتجري أحداث مسرحية (فوق الصفر) فيما يشبه المعتقل، المشفى العقلي، الملجأ، وهي كلها أماكن رمزية بامتياز عن القمع، الغرائبية واللامنطقي، والحرب. ومسرحية (الجانب الآخر من الحديقة) تفترض أيضاً مكاناً رمزياً فانتازياً هو طريق الموت، فالحكاية عن رحلة أم في البحث عن طفلها الذي خطفه ملاك الموت.

غياب السرد القصصي:

بما أن مسرح العبث يعتمد على الصور الرمزية فإن الخاصية الثانية التي تجمع بين حكاياته هو انتفاء السرد القصصي

بما أن مسرح العبث يعتمد على الصور الرمزية فإن الخاصية الثانية التي تجمع بين حكاياته هو انتفاء السرد القصصي، يكتب إيسلن: “يتوقع أن يكون للمسرحية المحكمة الصنع بداية ووسط ونهاية حبكت ببراعة. أما مسرحيات العبث فإنها تبدأ في الغالب عند نقطة متعسفة وتبدو وكأنها تنتهي أيضاً بشكل اعتباطي أو تعسفي، حتى أنها لا تستحق اسم الدراما”. ويكتب في موضع آخر عن غياب السرد القصصي: “بينما تهتم معظم المسرحيات التقليدية في الدرجة الأولى بحكاية قصة أو توضيح مشكلة فكرية، ومن ثم يمكن اعتبارها صورة قصصية أو استطرادية من الأداء، فإننا نجد أن مسرح العبث ينقل لنا بالدرجة الأولى صورة شعرية. إن الفكر القصصي أو الاستطرادي يسير بنهج جدلي يجب أن يفضي إلى نتيجة أو رسالة ختامية، ومن هنا كان ديناميكياً ويسير طبقاً لخط محدد من التطور. أما الشعر فيهتم قبل كل شيء بنقل فكرته الأساسية أو بالجو أو بكيفية الوجود. وهي في جوهره استاتيكي أي ثابت”.

المسرح الحكائي:

تلتزم مسرحية (زجاج) للمخرج (أسامة غنم) بعناصر المسرح الأرسطي على مستوى الزمن، فتجري أحداثها في مكان واحد منزل قبو، وتقريباً خلال يوم كامل. وهي مبنية على شكل قصة بعناصر البداية والوسط والنهاية. وهي تروي حكاية من القاع الاجتماعي، عائلة من أخ وأخت وأم تعيش في يوميات الحرب، حيث يسعى الأخ لصناعة فيلم، بينما تعيش الأم هاجس تزويج ابنتها. في العشاء الذي سيعرف الأخ أخته على صديقه سنكتشف أنه مخطوب، وأنه كان حلم مراهقة الأخت الوسيم. حبكة بسيطة ونجدها في أغلب الإنتاجات التلفزيونية السورية، بالإضافة إلى النص الأصلي للعرض هو (هواية الحيوانات الزجاجية، 1944) للكاتب الأميركي (تينسي ويليامز) أحد أبرز كتاب الواقعية الأمريكية الجديدة. كذلك يستهلم الكاتب (وائل قدور) في مسرحيته (الاعتراف، 2018)، نصاً من التاريخ المسرحي، (الموت والعذراء، 1990، للكاتب التشيللي آريل دورفمان )، وذلك ليعالج جدلية الضحية والجلاد في عمليات التعذيب، وفي ظل الحضور الطاغي للعنف في المجتمع السوري. الفيلم الشهير المحقق عن هذا النص، وكذلك الأسلوب الإخراجي للمخرج (عبد الله الكفري) حين أخرج تميل بعمق نحو خيارات التجسيد الواقعي، وضمن إطار سردية قصصية يحاول العرض المسرحي استعراضها أمام المتلقي.

 

مشاهد من مسرحية الإعتراف دوار الشمس بيروت.jpg
مشاهد من مسرحية الاعتراف دوار الشمس بيروت

 

غياب المعنى:

الميزة الثالثة من أساس مسرحيات العبث، يكتب (إيسلن): “ومما لاشك فيه أن عالم منتصف القرن العشرين قد فقد معناه في نظر كثير من الناس الذين يتمتعون بالذكاء ورهافة الإحساس، وأنه بكل بساطة لم يعد له معنى. لقد انحل ما كان يعتبر يقيناً من قبل. وانهارت أسس الأمل والتفاؤل الراسخة. وفجأة وجد الإنسان نفسه أمام عالم مخيف وغير منطقي – أي باختصار لامعقول. لقد سقطت فجأة جميع عهود الأمل وجميع تفسيرات المعنى الغائي فإذا هي سراب خلب وهراء أجوف وصفير في الظلام“، وبذلك يجعل (إيسلن) من غياب المعنى موضوعاً أساسياً دفعت الكتاب لإنتاج عالم العبث: “من الواضح أن السبب في هذا هو أن هؤلاء الكتاب المسرحيين لم يعودوا يؤمنون بإمكانية مثل هذا الإحكام في الحلول. وإنما همهم الأكبر هو التعبير عما يجدونه في العالم من معنى الاستغراب والاستغلاق وأحياناً اليأس والافتقار إلى الترابط والمنطق”. ويمايز بوضوح عند هذه النقطة بين المسرح الحامل للمعنى في حكاياته، وبين مسرح العبث: “إن الأساس الذي تقوم عليه المسرحية المحكمة الصنع يكمن في الفرضية الضمنية التي تقول بأن للعالم معنى، وأن الحقيقة ثابتة وراسخة، وأن كل المعالم دراما واضحة وأن كل الغايات جلية. أما المسرحيات التي أدرجناها تحت اسم مسرح العبث فتعبر، على العكس من ذلك، عن إحساس بالصدمة نتيجة لغياب وفقدان المعنى”.

مسرح الرسالة أو المضمون:

المسرح السوري شهد ميلاً ليكون منصة حوار اجتماعي أو مرآة للمجموعات المتضررة أو المهمشة، فشهدنا ميلاً إلى المسرح الإجتماعي

لكن أغلب النصوص والأعمال المسرحية السورية المذكورة آنفاً كانت حاملة للمضمون أو المعنى، وهي تبغى إيصال هذا المعنى إلى المتلقي ومعالجة هذه المضامين التي تتراوح بين موضوعات واضحة: أثر الحرب، القمع والاعتقال، الضحية والجلاد، الهجرة والمكان. كما أن المسرح السوري شهد ميلاً ليكون منصة حوار اجتماعي أو مرآة للمجموعات المتضررة أو المهمشة، فشهدنا ميلاً إلى المسرح الاجتماعي والذي استمدت نصوصه أو شارك في إنتاج فئات مستهدفة، فجسد عرض (أنتيجون، محمد العطار) قرءاة للنص المسرحي الإغريقي (أنتيجون) مع اللاجئات السوريات في لبنان، وعرض (حرير، سارة زين) الذي استمد حكاياته من حكايات اللاجئات أيضاً، وعرض (بالنص، فرقة سيناريو) الذي كتبت نصه لاجئات من كل من سوريا ولبنان.

الشك باللغة:

عنصر بارز الأهمية من مكونات مسرح العبث هو الشك باللغة، أية لغة إن كانت قادرة التعبير عن ذات الإنسان، وبالتالي الشك في التواصل الإنساني ككل في إمكانيته، فسعت مسرحيات العبث على الدوام للقول باستحالة التواصل الإنساني، وركزت اهتمامها على نقد اللغة كوسيلة تواصل، وأصبحت النصوص محاولات في الكشف وفي البرهنة على عجز اللغة عن السرد، في التعبير عن الشخصيات، أو في بناء التواصل فيما بينها. (في انتظار غودو) يسمها الحوار المفكك وغير المنطقي بين شخصيتين يفترض أن يكون بينهما حوار جدلي، لكننا لا نلبث أن نكتشف عجزنا عن إدراك البنية التي يقوم عليها الحوار بينهما أو عن المضامين التي يتحدثون عنها، ما يسميه (إيسلن) بالثرثرة العبثية. وكذلك في مسرحية (المدرس، يوجين يونيسكو) يستمر الحوار بين أستاذ الرياضيات والطالبة ليؤكد عدم منطقية القوانين الرياضية كالجمع والطرح أو القسمة. وفي مسرحية (يونيسكو) الأخرى (هذيان ثنائي) نتابع حديثاً بين زوجين في حالة سأم واستفزاز متواصل، يحاولان تعريف السلحفاة ويبحثان إن كانت كلمة سلحفاة تصف بدقة حيوان السلحفاة. كل ذلك تشكيك بقدرة اللغة، وبإمكانية التواصل الإنساني.

التواصل عبر اللغة:

لكن الحوارات وحتى المونولوجات في كل العروض والنصوص المسرحية السورية السابقة مبنية على بنية اللغة التوصيلية بين الشخصيات وفي تعبير الشخصيات عن داخليتها، وبما أنها قصصية الطابع كما رأينا، فإنها كذلك تبني علاقة تواصلية بين العرض والمتلقي، بين النص والقارئ، بين الحدث المسرحي والفهم المنطقي لسير الأحداث، ولا يمكن الحديث عن شك في اللغة كأداة تواصلية في الإنتاجات المسرحية السورية الراهنة. بل إن المسرح مال إلى لغة قادرة على التوثيق، أكثر واقعية، ليوحي بما أطلقت عليه الناقدة والأكاديمية (ماري إلياس) محاولة تجسيد “الآن وهنا” في المسرح السوري الحالي.

التقاليد المسرحية الهزلية أم التراجيدية ؟

العنصر الأخير الذي ميز مسرحيات العبث يتعلق بالجانب الأدائي أو الإخراجي الذي استعاد أنواعاً عرفت سابقاً في التاريخ المسرحي، ولم تكن حاضرة في حينها، مثل المسرح الهزلي، والكوميديا ديلارتي، وحتى عروض المهرج في السيرك، ويعترف بيكيت ويونيسكو بتأثرهما في شخصيتهما بالممثل السينمائي (شارلي شابلن) وشخصيته الشهيرة التي تمزج بين المتشرد والمهرج، وقد أوصيا الممثلين في أداء نصوصهما باستلهام المهرجين في الحركة وتجسيد الشخصية. لقد استهلم المخرج (محمد أبو سعدة) في إخراجه لعرض (أنتيغون) تقاليد من التاريخ المسرحي، لكنها تعود إلى التراجيديا الإغريقية، وهو أسلوب الإلقاء الكورسي للنص. وكذلك استلهم المخرج (أسامة حلال) طقوس العزاء والندب والدفن في عرضه (الجانب الآخر من الحديقة) مجسداً انفعالات الألم للفقدان، وتراجيديا الموت المهيبة.

 

علاء رشيدي




هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *