الجند نت

أخبار العالم بين يديك

من شهرزاد السوري إلى شهريار الأوروبي


سرديّات التهريب خلال مرحلة الثورة السورية

 

يقصد بسرديات التهريب تلك الحكايات التي قدمها اللاجئون السوريون ما بعد ثورة عام 2011، والقدرة على صياغة عالم متخيل متماسك عن صورة الذات عن ماضيها، حيث تتقاطع فيه حقائق وأهواء ووقائع تشكل حالة من الاندماج مع الذات، يسهم في صياغتها الواقع والماضي معاً، إذ تتسلل لتصبح أقرب إلى المعرفة القبْلية التي يشترك فيها اللاجئ مع من يستقبله.

وقد تمّت، على سبيل المثال، في هذا السياق: صناعة داعش وجبهة النصرة من قبل مخيلة الشباب اللاجئين السوريين، قبل وجودهما على الأرض.

وقد استثمر اللاجئون الاستعداد النفسي عند الأوروبي في الخوف من الجماعات السلفية. فيما اعتمد قسم من اللاجئين على سردية واقعية هي سردية القمع الذي عاناه من النظام السوري.

وتعاضدت السرديتان في مخيلة اللاجئ (شهرزاد) لحماية مستقبله، كي يقتنع المحقق الأوروبي (شهريار) أنه في حال سقوط النظام في سوريا مثلاً؛ فإن اللاجئ لا يمكن أن يعود كونه سيكون مهدداً من جهات أخرى في بلده، وكذلك كي يحصل على أوراق ثبوتية بسرعة.

فيما اختار قسم آخر من اللاجئين الانتساب إلى مظلوميّات، عليها ما عليها من ملاحظات اجتماعية مثل: حالات “المثلية الجنسية” أو “الزواج من أديان أو طوائف أخرى”، أو “الانتماء للأقليات”؛ تماشياً مع التعاطف الأوروبي مع تلك الحالات.

وقد لعب التغير الاجتماعي دوراً كبيراً في تغيير العادات السلوكية، إذ قد يصبح السرد أحد ألوان التغيَر، انطلاقاً من أن كل تغير اجتماعي لا بد أن ينتج أنماطاً جديدة في التفكير والسلوك، نتيجة تغير المنظومة الموجهة للفعل السلوكي الإنساني، وليس بالضرورة أن تكون عملية التغير الاجتماعي مخططة مسبقاً فقد تأتي على شكل استجابة للفعل.

وفي محاولة لإعادة تلك السرديات إلى الواقع يمكن القول: يشكل الخروج على القوانين الحجَر الأساس لرحلة اللجوء السورية، التي نشهد موجتها في السنوات الماضية (2015-2016)، ذلك أن العملية تتضمن دخولاً “غير مشروع” إلى تركيا أولاً، أو عبر البحر الأبيض المتوسط، ثم إلى  البلاد الأوروبية ثانياً ، لأن اللاجئ لا يدخل تلك البلدان من البوابات القانونية للدخول، كونها تمنعه من ذلك، فيضطر لطرق أبواب التهريب بعد أن أصبح الدمار والحرب في بلده أكبر من القدرة البشرية على الاحتمال، فيرحل مع عائلته بحثاً عن مكان آمن مستقر، وقد يتضمن ذلك لاحقاً فرصة لتحسين الوضع الحياتي للاجئ، أو البحث عن فرصة عمل.

غير أن تجربة اللجوء، قبل أن تتجاوز أهوال حدود ومخاطر البحر، تتزوّد بـ “عدة” سردية مسبقة تشكل مدخلاً لتحويل الدخول الـ لا قانوني إلى دخول مُشرْعن، لتصبح السرديات أحد عناصرها الرئيسية، فيكشف الواقع لاحقاً أن سرديات اللاجئ تقابلها سردية الحكومات الأوروبية لشعوبها عنهم، فتتواجه سرديتان لكل منهما واقعها ومتخيلها ودوافعها وأسبابها من القانوني إلى الاقتصادي والاجتماعي والإعلامي.

وعلى الرغم من أن هذه الرحلة الواقعية السردية تتمّ أمام أعين السفن الحربية، أو حرس الحدود غالباً إلا أنهم يفضلون الاختفاء لكي تكتمل الحكاية، وقد يكون هناك أكثر من سبب: فهي نافذة للبلاد التي فيها حروب، وفي الوقت نفسه طريقة للهروب من مسؤولية الحكومات الغربية أمام شعوبها.

تبدو سرديات اللجوء قريبة من عالم “ألف ليلة وليلة”، حيث إن شيوعها وتواترها وكمّ المغامرة فيها، يجعل نسبتها إلى سارد بعينه أمراً صعباً جداً

وقد سهَّل وجود شبكة الإنترنت تبادل المعلومات بين اللاجئين الجدد لبناء سردياتهم، وصار كل تفصيل في رحلتهم يتضمن مئات الحكايات، الأمر الذي جعل شعراء وقاصين وفنانين يخوضون تجربة اللجوء ليُغنوا نصوصهم ويعيشوا التجربة، بل كي يصنعوا فيلماً أحياناً.

تبدو سرديات اللجوء قريبة من عالم “ألف ليلة وليلة”، حيث إن شيوعها وتواترها وكمّ المغامرة فيها، يجعل نسبتها إلى سارد بعينه أمراً صعباً جداً، وهكذا بدا أن ثمة حكاية مركزية في سرديات اللجوء يمكن لكل لاجئ أن يضيف إليها ما يشاء من تفاصيل تخصه، ولئن كان اللاجئ في هذا السياق هو “شهرزاد” فإن المحقق الأوروبي هو “شهريار”، كلاهما يعي أن “الحكي” مادة وجودهما معاً.

وبدا أن أحد ألوان انتقام اللاجئين على ما حدث لهم في بلدانهم، يكمن في الإمعان في التحايل/التجاوز على القوانين والأنظمة في دولة ما، أو البحث عن ثغرات قانونية، متسلحين بالسرد، ونظراً لأن القوانين الأوروبية، تمنع قدوم اللاجئين إليها إلا ضمن ظروف محددة ومحدودة، فإن رحلة اللجوء تبدأ بأمر غير قانوني، حيث يتم الاتفاق مع مهرب خبير يمكنه أن يقدم خدمة التوصيل، ويستتبع هذا الظرف الصعب عند كثير من اللاجئين سلسلة من حالات السرد، التي يسميها القانون “التزوير والكذب والاحتيال” الذي يمليه واقع اللجوء بهدف تحصيل مكاسب إضافية، أو الهروب من مستحقات قانونية، فيما يقف الكثير من اللاجئين موقفاً صارماً ضد مخالفة القانون، بعد تجاوز مرحلة عبور الحدود.

يعرف الاحتيال قانونياً بأنه: كذب تدعمه وقائع أو أفعال مما يسهم في توليد الاعتقاد لدى المجني عليه (ها هنا الحكومات) بصدق هذا “الكذب”. أما التزوير فيعرّف بكونه تحريفاً مقصوداً للحقيقة في الوقائع والبيانات، قد يؤدي إلى ضرر للآخر، وقد يترافق بتحقيق مصالح للذات. وفي سياق اللجوء تنتفي نية الإضرار بالآخر لتحضر بدلاً منها الرغبة بتحقيق مصلحة للذات.

يعرّف إدوارد سعيد السرديات بالقول: “إنها تشكيل عالم متماسك متخيل، تحاك ضمنه صور الذات عن ماضيها، وتندغم فيه أهواء، وتحيزات، وافتراضات تكتسب طبيعة البديهيات، ونزعات، وتكوينات عقائدية يصوغها الحاضر بتعقيداته، بقدر ما يصوغها الماضي بتجلياته وخفاياه. كما يصوغها، بقوة وفعالية خاصّتين: فهمُ الحاضر للماضي وتأويله. ومن هذا الخليط العجيب، تُنسج حكاية هي تاريخ الذات لنفسها وللعالم وتدخل في هذه السردية، مكوّنات الدين، واللغة، والعرق، والأساطير، والخبرة الشعبية، وكل ما تهتزّ له جوانب النفس المتخيلة”.

وقد قامت بهذا الفعل السردي الاضطراري معظم فئات اللاجئين، فاكتسبوا الخبرة الأولية من تدريبات المهربين في البلدان، التي تعدّ معبراً رئيسياً للاجئين مثل تركيا، غير أن تلك “الدورات الشفوية السريعة المقترنة بالخوف” تقتصر معلوماتها على الطريقة الأفضل للحصول على الإقامة لمدة خمس سنوات أو أكثر أو أقل في أوروبا، ومع أن المعطيات تكشف أن من لم يبصم بأصابعه العشرة في دولة أوروبية أخرى ممن وقع على اتفاقية “شنغن” أو “دبلن” يحصل على الإقامة، دون الحاجة إلى تلك السردية الدرامية التي صار لدى كل دولة أوروبية منها مثلاً آلاف السرديات، إلا أن فقدان الثقة بين أطراف عالم السرد يجعلها تلجأ إليه بصفته حلاً أمثل للجميع.

لا يختلف الشباب اللاجئون في هذا السياق كثيراً عن الفئات العمرية الأخرى سوى ببعض العناصر من مثل: المغامرة، ومحاولة تأمين مستقبلهم، والرغبة بالبحث عن الثغرات القانونية، بل يفترقون بأن الدافعية للقيام بفعل السرد مركزة أكثر، ومختلفة، كونهم في مقتبل العمر وينظرون إلى ما يمكن أن تقدمه السردية من خدمات، وفي الوقت الذي يتشارك فيه الكثير من اللاجئين بالاستراتيجيات الرئيسية للسردية، يفترق كل واحد منهم عن الآخر في الحكاية وعناصرها الدرامية.

وترتكز السردية السورية على عناصر رئيسية من مثل: تعاطف المتلقي، وفجائعية الرسالة، وقدرة السارد على إقناع متلقيه، ولعل مأساوية تلك السردية، وكون جوانب منها قد تم تصويره عالمياً، لذلك صار لهذه السردية صيت عالمي، حيث كشفت تحقيقات المحققين وتحليلات الصوت أن أبناء عدد من البلدان تلبسوا “السردية السورية” لتكون مركب لجوئهم من جنسيات إيران والعراق وأفغانستان، وأرمينيا وسواها، ومن ناحية أخرى فإن عدداً من أبناء المدن السورية، التي لم تصب بأذى، ركبوا موجة المدن المنكوبة عبر تغيير اللهجة أو سواها ليفيدوا من مأساوية تلك السردية.

تحتاج الكثير من “السرديات الشهرزادية” التي قدمها اللاجئون السوريون إلى أدلة كي تصدقها الحكومات الأوروبية، لكن التغاضي “الشهرياري” هو سيد الموقف، وبدا أن تحول الثورة السورية من المطالبة بالحرية والعدالة إلى حرب عالمية وإقليمية على أرض سوريا إعلان عن مرحلة جديدة.

في الوقت الذي تنمو فيه هذه السرديات وتتراكم؛ تضيع الحقيقة ويغدو من لديه أوراقه الثبوتية وبذل الجهد الكبير في تحصيله العلمي ضحية لهذه السرديات المختلقة

وقد انتشرت في كل من لبنان وتركيا وسوريا “مخابر” صناعة الأدلة لتعضيد السردية وتحويلها من حالة درامية إنسانية إلى حالة مثبتة، فصار اللاجئ، إذا أراد، قادراً على أن يحضر ما يشاء من أوراق وثبوتيات ابتداء بجواز السفر وصولاً إلى الشهادات الجامعية، بل بالغ بعضهم في ذلك حتى وصل الأمر إلى صنع جواز سفر سوري باسم “رئيس الوزراء الهولندي مثلاً”.

ومثل هذا الفعل له دلالة رمزية لافتة، ففي الوقت الذي تنمو فيه هذه السرديات وتتراكم؛ تضيع الحقيقة ويغدو من لديه أوراقه الثبوتية وبذل الجهد الكبير في تحصيله العلمي ضحية لهذه السرديات المختلقة، التي تخلق صورة أخرى للاجئ السوري وصلت في بعض الحالات إلى صنع تصورات جديدة عن اللاجئ السوري حول وضعه الاقتصادي تتسبب بتشويه الجانب الإنساني في عملية اللجوء، إضافة إلى النظر بعين الشك نحو ما يحمله اللاجئون من شهادات أو وثائق.

وتثار أسئلة عدة حول عوامل ازدهار السرد، والبحث في كيفية نموه، والمناخات الملائمة له بين كل من السارد والمسرود له، وكمّ المغامرة الكامن في تلك الحكايات، حيث يستفيد الساردون الأحياء من الساردين الذين ابتلعهم البحر.

وثمة حاجة إلى المنهج الوصفي التحليلي القائم على الملاحظة والمتابعة، إضافة إلى الاستفادة من طروحات علم الإناسة وعلم النفس والمنهج الاجتماعي والسيميائي في قراءة تلك الظواهر، كون اللجوء إلى السرد المتخيل أحد أنماط السلوك الجديد، الذي تغيرت مرجعيته، فبات يبحث عن مرجعيات جديدة؛ ويتخيل حكايات سابقة تضفي على وجوده الحالي المزيد من الشرعية الاجتماعية أو القانونية.

لا يوجد الكثير من الدراسات التي تعنى بسرديات اللجوء ليس بصفتها حالة تخييلية فحسب، بل بصفتها أحد عوامل وجود الشخصيات الساردة، التي تجد في سردها الجديد طريقة حياة، نظراً لمركزية السرد في المجتمعات المهاجرة.

وتثار أسئلة عدة حول سرديات التهريب من مثل: محورية السرديات في الحياة المعاصرة ودورها في رحلة اللجوء، وأسباب لجوء الشباب للسرد هل هو دفع الأذى أم تحقيق المصالح؟ أم الاحتيال على القانون؟ ومن أين يكتسب اللاجئ حكايته؟ وما مصادر السرديات وأبطالها ومحاورها. وكيفية النظر إلى السرديات من وجهة قانونية، وكذلك بصفتها ظاهرة اجتماعية منتشرة عند اللاجئين لحاجتهم إليها، وسيكولوجية السارد، وقدراته التخييلية، ومرحلية السرد وأدواته، وكيفية تحويل النص المسرود إلى حقيقة عبر صناعة الأدلة، وما هي خصوصية سرديات اللاجئين: هل هي مدخل للاندماج أم الانصهار أم الانكفاء السرد فحسب؟ وكيف يتحول جزء كبير من ثورة جبّارة إلى حالة سردية عالمية، بحيث يغدو سرد القمع وسرد المظلومية حالة عالمية؟




هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *