الجند نت

أخبار العالم بين يديك

من حطّين إلى أوسلو: كيف سلبت إسرائيل القدس؟


حراك مقدسي يقوده اليوم حي الشيخ جراح في القدس الشرقية، بمشاركة أبنائه وفلسطينيين من مناطق أخرى متفرقة، تنديداً بقرارات إخلاء المنازل في الحي ورداً على استيلاء مستوطنين إسرائيليين على بعضها بذريعة أن عائلات يهودية كانت تعيش هناك قبل حرب 1948.

هذا الحراك، وكل حراك فلسطيني سبقه، منذ انتفاضة الحجارة التي اندلعت في نهاية عام 1987، يثير بصورة أو بأخرى تساؤلات عديدة ما فتئت تلهب وجداننا، وتدفعنا مراراً وتكراراً إلى محاولات فهم الحالة الفلسطينية وما ارتبط بها من متغيرات سياسية واجتماعية عبر تاريخها. ذلك التاريخ الذي أفرز في نهاية المطاف “القضية الفلسطينية” بأبعادها المؤلمة التي نعيشها اليوم.

لمحة عامة

عُقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة “بازل” السويسرية في آب 1897، لوضع الأسس والمرتكزات الأولى لإنشاء دولة “الوعد الإلهي” في فلسطين؛ الدولة التي انتظر اليهود عودة مُلكهم إليها على مدى 26 قرناً، منذ ما عُرف بـ سبي بابل عام 586 ق.م.

وطوال تلك القرون، لم يدّخر اليهود جهداً إلا وبذلوه لأجل تحقيق قيام دولة “إسرائيل”، التي لم يتمكنوا من توحيدها أو الحفاظ عليها قديماً، خلال حكم الكلدان/ البابليين، ثم المقدونيين، وبعدهم الرومان الذين هدموا القدس و”الهيكل” سنة 70م على يد الإمبراطور “تيتوس”، ثم تشتتوا بعد ذلك في بلدان العالم القديم عقب ثورتهم وحربهم ضد الإمبراطور “هادريان” 135م؛ ومنذ ذلك الحين انتهت صلة اليهود ببيت المقدس، ولم يعد لهم وجود سلطوي/ سياسي فيه، طوال القرون الـ 18 التي تلت انتصار هادريان.

بعد توزعهم في مختلف دول العالم وإقامتهم فيها خلال ذلك التاريخ، ظلت فكرة تحقيق الحلم الديني- التاريخي، تراود العديد من ساسة ومفكري اليهود، إلى أن تجسّدت أخيراً بإعلان قيام دولة “إسرائيل” سنة 1948م.

والسؤال: هل يعتبر مؤتمر “بازل” الانطلاقة الفعلية لفكرة ولادة تلك الدولة، أم أن هناك وقائع أخرى ساهمت في ذلك؟

ثمة ثلاث مراحل مفصلية في تاريخ القدس وفلسطين، من الضرورة بمكان المرور عليها في محاولة البحث عن الإجابة..

أولاً- صلاح الدين الأيوبي بين حرب الفرنجة (الصليبيين) وعودة اليهود

في العام 1187م استرد صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس من الفرنجة عقب انتصار جيوشه عليهم بمعركة حطين الشهيرة التي قضت على الحملة الصليبية الثانية؛ فكان لوقع تلك الأخبار أثر شديد على أوروبا عموماً، ولا سيما دولها الغربية، ما دفع الكنيسة البابوية إلى الاستنجاد مرة أخرى بملوك وأمراء أوروبا وحثّهم على تجهيز حملة صليبية ثالثة لاسترجاع القدس والثأر لجيوش الصليبيين.

استجاب لصيحات البابوية كلّ من ملك فرنسا (فيليب الثاني- أوغست) وإمبراطور ألمانيا (فريدريك بربروسا)، و(ريتشارد- قلب الأسد) ملك إنجلترا ذائع الصيت.

لقي فريدريك حتفه أثناء عبوره أحد الأنهار في آسيا الصغرى، فتفرّق جيشه؛ وتابع الملكان الآخران طريقهما حتى وصلا إلى أسوار مدينة عكا، فنشب خلاف بين ريتشارد وفيليب أثناء حصارهما للمدينة، ما دفع فيليب للانسحاب والعودة إلى فرنسا.

 وبذلك بقي ريتشارد وحيداً في مواجهة جيش المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وكانت هذه المواجهة ثقيلة عليه إذ تزعم وحده جموع الفرنجة في بلاد الشام لاسترداد بيت المقدس؛ ودارت بينه وبين صلاح الدين عدة معارك خلال السنتين (1189– 1191 م) كان من شأنها أن تُضعف الفريقين المتحاربين؛ ورغم ذلك استطاع ريتشارد دخول مدينة عكا والسيطرة عليها بعد حصارها طوال تلك السنتين، لتبدأ بعدها مرحلة المفاوضات والاتفاقات التي استمرت سنة كاملة بين المسلمين والفرنجة (1191- 1192م).

شاب تلك المفاوضات كثير من الغموض والشكوك والتأويلات، نظراً لطبيعة العلاقة الودية –بحسب إجماع المصادر- التي سادت فريقي التفاوض

في الواقع، شاب تلك المفاوضات كثير من الغموض والشكوك والتأويلات، نظراً لطبيعة العلاقة الودية –بحسب إجماع المصادر- التي سادت فريقي التفاوض الممثلَين آنذاك بالملك “العادل” شقيق صلاح الدين، عن فريق المسلمين، وبـ ريتشارد ممثلاً للفرنجة، هذا من جانب؛ ونظراً للإجحاف الذي كان من نصيب المسلمين مقارنة بجيش الفرنجة من جانب آخر.

ولعل أكثر ما أثار استغراب وحفيظة العديد من مؤرخي الطرفين عموماً، وعلى وجه الخصوص مؤرخي طرف الدولة الأيوبية، البنود التي رؤوها بأنها مجحفة بحق جيش المسلمين بالرغم من تفوّق جيش صلاح الدين، المنتصر في حطين، وتحريره بيت المقدس، وسيطرته على معظم الأراضي المحيطة.

بدأ سير عملية المفاوضات بين الفريقين بالقرب من قرية تدعى دير الراهب([1]) لتستمرّ بعد ذلك حسب الشروط التي رغبها ريتشارد، رغم خلافه مع أمراء فرنجة أُخر، وضعف خبرة غالبية جنوده المشاركين لأول مرة في حروب المنطقة، إضافة إلى اشتداد المرض عليه ما دفع صلاح الدين لإرسال طبيبه الخاص (ابن ميمون) لمعالجته([2]).

كان مفاوض صلاح الدين، الملك العادل، يرافقه أحياناً ابنه “الكامل”، حيث لم يرض صلاح الدين بوصفه السلطان المنتصر، أن يكون طرفاً في التفاوض أو أن يضع يده بيد ريتشارد، وعلى الرغم من كل ذلك توّجت تلك المفاوضات بـتوقيع “صلح الرملة”، الذي مهّد للفرنجة استرجاع بيت المقدس لاحقاً.

بنود الصلح ([3]):

  1. يكون الصلح عامّاً في البر والبحر، ومدته ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.
  2. أن يتخلى الفرنجة لصلاح الدين عن عسقلان وغزة والداروم، وأن يبقى الساحل بيدهم من مدينة  صور إلى يافا، بما فيها قيسارية وحيفا وأرسوف.
  3. للنصارى الحرية التامة في زيارة الأماكن المقدسة في القدس دون أن يؤدوا ضرائب للمسلمين، وتكون السيادة على الأماكن التعبدية –بما فيها اليهودية- بحسب الاتفاقية من صلاحية المسلمين.
  4. اشترط صلاح الدين دخول فريق الطائفة  الإسماعلية في الهدنة وفي المقابل اشترط الفرنجة دخول أميري أنطاكية وطرابلس التابعين لهم في الهدنة .
  5. تكون مدينتا الرملة واللد مناصفة بين المسلمين والفرنجة .
  6. تتم هذه الاتفاقية بعد أن يحلف عليها ملوك وأمراء كلا الطرفين.

إذن، استغنى صلاح الدين عن مدن كان قد استردها من الفرنجة في المعارك، وهي حيفا ويافا وقيسارية ونصف اللد ونصف الرملة، وعكا وصور، وكامل الخط الساحلي بين تلك المدن، مقابل “رمزية” الاحتفاظ ببيت المقدس، فأضحت فلسطين بكاملها، تقريباً، تتبع للفرنجة الذين أمّنوا مصدر الإمداد والتمويل البحري من أوروبا، ما سيسهم في إعادة تشكيل صفوفهم والاستيلاء على بيت المقدس مرة أخرى. وهذا بالضبط ما حصل بعد وفاة صلاح الدين وخلال حكم السلطان “الكامل” (وكان ريتشارد قد أسبغ على الأخير لقب الفروسية حسب الأعراف الصليبية خلال حفل خاص([4]) أثناء مرافقته أبيه “العادل” في مفاوضات صلح الرملة).

وبعد انتقال إدارة مملكة بيت المقدس إلى طرابلس، استعاد الصليبيون مراكز قوتهم على كامل الساحل حتى بيروت. وبذلك تكون معظم المكاسب التي حققها صلاح الدين، عدا استعادته لبيت المقدس، قد ذهبت([5]).

منذ ذلك الوقت حتى الساعة، ما زال العديد من المؤرخين والكتّاب يطرحون تساؤلات لا تخلو من إشكالات تاريخية وسياسية- دينية، شكّلت ميداناً لتقاذف الاتهامات الفكرية والعقدية بين الأطراف المدافعة من جهة والمشككة من جهة أخرى.

وبصرف النظر عن تفاصيل ومضامين تلك الإشكالات وعن مدى صوابيتها أو عدمها؛ ما يهمنا منها تلك المتعلّقة بعودة اليهود إلى مدينة القدس وممارسة شعائرهم بحرّية تامة داخلها. الفرنجة (الصليبيون) كانوا يعادون اليهود كمعاداتهم للمسلمين، بل وأشدّ من ذلك، بحسب ما تشير إليه مختلف المصادر سواء العربية أو الأوروبية (ومن أدلّة ذلك ما حدث لليهود خلال “محاكم التفتيش” في الأندلس)، ولم يكن الفرنجة ليسمحوا لهم بمشاركة القدس أو ممارسة شعائرهم فيها. إلا أن استعادة المسلمين للقدس وما تلاها من عقد صلح الرملة الذي نصّ أحد بنوده على إدارة أماكن التعبّد من قبل المسلمين، سمح لليهود العيش داخل القدس وممارسة شعائرهم.

ما دور موسى بن ميمون؟

شهدت المرحلة التي تلت استعادة صلاح الدين للقدس، إقبالاً واسعاً لليهود على المدينة. وتقول المصادر إن مستشار وطبيب صلاح الدين، الفيلسوف اليهودي (موسى بن ميمون)، القادم من الأندلس إلى المغرب التي فرّ منها لاحقاً إلى مدينة عكا ليقيم فيها قبل توجهه لبلاط صلاح الدين في القاهرة –قبيل تحرير القدس؛ كان قد استخدم نفوذه لدى السلطان لحماية يهود مصر، وربما كان لهذا النفوذ أيضاً دور بالسماح لليهود بالإقامة لاحقاً في القدس.

فاليهود كانوا قبل تلك العودة مشتّتين في بلاد العالم القديم، على يد أباطرة الرومان منذ القرن الثاني الميلادي. ثم جاءت “العهدة العمرية” التي وقّع عليها الخليفة الراشدي الثاني، عمر بن الخطاب، بالاتفاق مع أهالي القدس (إيلياء) المسيحيين بعد فتحها 638 م، حيث نصت على عدم السماح لليهود بالسكن فيها: “ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود([6])” بحسب ما ورد في العهدة العمرية.

ولعب ابن ميمون دوراً بارزاً في إنجاح اتفاق صلح الرملة بعد أن أرسله صلاح الدين لمعالجة ريتشارد خلال مراحل المفاوضات.

ومن المناصب التي نالها ابن ميمون أيضاً، أنه عُيّن “نجيداً” أو زعيماً لليهود في القاهرة([7])، حيث أنشأ فيها مدرسة خاصة باليهود.
ويحظى ابن ميمون، أو (رامبام) بحسب التسمية العبرية، بالاحترام والتقدير الشديدين في إسرائيل اليوم، وتقديرًا له تم طبع صورته على العملة الورقية من فئة شيكل واحد في السابق([8]).

 

ثانياً- نشاط اليهود في العصر العثماني.

  1. منح الرعايا اليهود حق الحماية والمساواة:

منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها العثمانيون يتوسعون باتجاه غرب الأناضول، ظهر جلياً العداء المتبادل بينهم وبين أوروبا “المسيحية”، لا سيما بعد سقوط القسطنطينية ونهاية الإمبراطورية البيزنطية 1453م.

فاتسمت جميع الحروب بين الطرفين بصفة القداسة الدينية بالدرجة الأولى، لتعيد إلى الأذهان الصدام السلجوقي البيزنطي الذي كان السبب الرئيس في اندلاع “الحروب الصليبية” على المشرق الإسلامي عقب معركة “ملاذكرد” 1071م.

إلا أن الدولة العثمانية ضمت العديد من أبناء الديانات الأخرى نتيجة توسعها في أوروبا واعتمادها نظام “الانكشارية” في تركيبة الجيش العثماني، وعناصر الانكشارية هم من أبناء القوميات التي  خضعت لتوسع الدولة العثمانية؛ وغالبيتهم من المسيحيين الذين كانوا يخضعون لتعليم ديني خاص ليندمجوا لاحقاً ضمن المجتمع العثماني الإسلامي.

أما بالنسبة لليهود، فقد حرصت السلطنة على حمايتهم كونهم “أهل كتاب وذمّة”، ولهم حرية ممارسة شعائرهم ومعتقداتهم.

ويتفاخر العثمانيون بأنهم أول من أنجد اليهود من قبضة الإسبان المتشدّدين عقب سقوط الأندلس وانتشار “محاكم التفتيش” التي لاحقت اليهود والمسلمين على حدّ سواء، إذ أرسل السلطان “بيازيد الثاني” 1481-1512م سفناً قامت بنقل أعداد كبيرة لليهود من الأندلس إلى إسطنبول.

 وكذلك وجّه بيازيد تعميماً للمواطنين جاء فيه: “لا تعيدوا يهود إسبانيا واستقبلوهم بترحاب كبير ومن يفعل عكس ذلك ويعامل هؤلاء المهاجرين معاملة سيئةً أو يتسبب لهم بأي ضرر سيكون عقابه الموت([9])”

وتم تسكين اليهود أولاً في إسطنبول وأدرنه وسالونيك ثم في إزمير ومانيسا وبورصة وأماسيا ولاريسّا ومناطق أخرى([10]).

وبعد أن ازداد تعداد اليهود في إسطنبول عن ثلاثين ألف نسمة، أصبح فيها 44 كنيساً، فصارت المدينة أشبه بمركز ليهود أوروبا([11]) حيث مارسوا شعائرهم بكل حرية وتسامح.

  1. اليهود زمن السلطان العثماني عبد المجيد 1839-1861م:

شكّل عصر السلطان سليمان القانوني (1520- 1566م) العصر الذهبي لليهود من النواحي الحقوقية والقانونية والمواطنة في الدولة العثمانية، إلا أن عصر السلطان عبد المجيد يعدّ العصر الذهبي لحرية الرأي والإعلام لهم من دون منازع.

ومثلت مرحلة عبد المجيد بداية ضعف السلطنة العثمانية نتيجة تنامي القوى الأوروبية وتدخّلها المباشر في سياسات الدولة، وبروز ما سمّي بـ “المسألة الشرقية” واندلاع حرب (القرم) الشهيرة 1853، والتي كانت أسبابها الظاهريّة مرتبطة بالجوانب الدّينية والطائفية؛ ومن بينها حماية الأماكن المقدسة في القدس التي كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية الإسلامية، كما أنها كانت موطناً لليهود والمسيحيين.

ومن أهم نتائج تلك الحرب على الإطلاق كان بروز بريطانيا كقوة عظمى في المنطقة وهذا ما ساعد اليهود على إتمام تجسيد فكرتهم في إنشاء الدولة.

وُلدت الصحافة اليهودية في تلك المرحلة، فكانت صحيفة “لادينو” الأولى التي انطلقت من إزمير عام 1843، أما الجريدة اليهودية الإسطنبولية الأولى فكانت “ضوء أبناء إسرائيل” في نفس ذلك العام. ثم صدرت أول جريدة يومية وهي “الجورنال الإسرائيلي” في عام 1860.

من جانب آخر، أمر عبد المجيد بفتح مطبخ خاص بطعام اليهود في مدرسة الكلية العسكرية، كما أمر بعدم حضور طلاب اليهود يوم السبت وذلك عام 1847. كما أذن السلطان بحماية مستشفى اليهود من خلال فرمان أصدره في الـ12 من آذار عام 1857([12]).

  1. الفرمان الذي سهّل امتلاك الأراضي في القدس:

في العام 1849م، تمكّن “موشي مونتفيوري” (1784 – 1885م) وهو ثري يهودي بريطاني، وزعيم الجماعة اليهودية في بريطانيا ومن كبار المدافعين عن الحقوق المدنية لليهود في إنجلترا والعالم([13])؛ من الحصول على فرمان من السلطان عبد المجيد، بمساع ٍ وضغوط من بريطانيا التي ساندت السلطان في حرب (القرم) ضد روسيا، ينص على السماح بامتلاك الأجانب لأراضٍ داخل السلطنة، فاستغلّه مونتيفيوري بصفته أجنبياً وتمكّن من شراء أرض عام 1854 وأسكن فيها 45 عائلة يهودية. والمنطقة الآن تسمى “حي مونتفيوري” في القدس([14]).

وقد استمرت عملية تسريب الأراضي بشكل مقَنّع في فلسطين إلى الأجانب بعد إقرار إصلاحات وتنظيمات عُرفَت باسم: “التنظيمات الخيرية” عام 1856م؛ ومن تداعياتها على صعيد الهجرة اليهودية إلى القدس أن ارتفع عدد اليهود في المدينة إلى ربع السكان فيها، ومنح اليهود أراضي في حيّ مونتفيوري وإقامة مستوطنة “مشكانوت شعانيم” عليها، وبموجب هذه التنظيمات أصدرت الدولة العثمانية قانون الأراضي عام 1858م، ثم تبع ذلك إصدار العديد من القوانين اللاحقة، فأصدرت لائحة تعليمات بحق سندات التمليك عام 1859م([15]).

  1. في عهد السلطان عبد العزيز:

وفي عهد السلطان عبد العزيز (1861-1876) تم إعلان قانون التمليك عام 1861م، وملحقاته عام 1867م، ونظام تملُّك الأجانب عام 1869م، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو شركات في جميع أراضي الدولة، وسواء داخل المدن أو خارجها؛ ونتيجة لذلك قامت الدول الأوروبية: كبريطانيا وفرنسا وروسيا بإرسال رعاياها للإقامة في فلسطين والعمل على شراء الأراضي وإقامة المستعمرات([16])، ما فتح المجال واسعا أمام اليهود للسيطرة على أجزاء من الأراضي الفلسطينية تحت غطاء الامتيازات الأجنبية([17]).

ومنذ ذلك الحين، تمكن مونتيفيوري من وضع قواعد فعلية لقيام إسرائيل، وسعى في ذلك إلى أن رحل عن عمر ناهز الـ100 عام، سنة 1885 م، وبعد رحيله بـ 59 سنة تشكلت الدولة رسمياً .وتتويجاً لجهود موشي مونتيفيوري، أعيد دفن كل من جثمانه وجثمان زوجته في إسرائيل عام 1973 ([18]).

ثالثاً- اتفاقية أوسلو/ “غزة- أريحا”

1-ما بين المؤتمر الصهيوني وحرب الـ48:

تم الإعلان عن قيام دولة إسرائيل في 14 أيار 1948، في اليوم نفسه الذي انسحبت فيه بريطانيا من فلسطين، وأعلن “ديفيد بن غوريون” قيام الدولة الإسرائيلية وعودة الشعب اليهودي إلى ما سماها أرضه التاريخية. وفيما يلي بعض من نص الإعلان الذي ألقاه “بن غوريون”، والذي أطلق عليه “وثيقة الاستقلال”:

“نشأ الشعب اليهودي في أرض إسرائيل، وفيها اكتملت صورته الروحانية والدينية والسياسية، وفيها عاش حياة مستقلة في دولة ذات سيادة، وفيها أنتج ثرواته الثقافية والقومية والإنسانية وأورث العالم أجمع كتاب الكتب الخالد. وعندما أجْلِيَ الشعب اليهودي عن بلاده بالقوة، حافظ على عهده لها وهو في بلاد مهاجره بأسره ولم ينقطع عن الصلاة والتعلق بأمل العودة إلى بلاده واستئناف حريته السياسية فيها([19])”.

وخلال الفترة المحصورة بين موت “مونتيفوري” وإعلان الدولة، عقد المؤتمر الصهيوني عام 1897، تلبية لنداء صاحب فكرة الدولة اليهودية “ثيودور هرتزل” الذي طالب بحق اليهود بإقامة دولتهم.

بعد ذلك جاء وعد وزير الخارجية البريطاني “بلفور” الذي اعترف بهذا الحق في الـ2 من تشرين الثاني عام1917. وتمت المصادقة على هذا الحق في صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم. تلا ذلك تعيين المفوض السامي (هربرت صموئيل)، الإنكليزي اليهودي، على فلسطين، لتبدأ في عهده عمليات انتقال وتملّك الأراضي من قبل اليهود، ومضاعفة أعداد المهاجرين اليهود القادمين إلى فلسطين، وإنشاء مراكز تعليمية ناطقة بالعبرية.

كما شهدت المرحلة الأخيرة السابقة لقيام الدولة، المحرقة النازية التـي حلت باليهود الأوروبيين؛ والتي دفعت مئات الآلاف منهم للتوجّه صوب “أرض الميعاد” والدولة الجديدة.

وفي الـ29 من تشرين الثاني 1947 صدر قرار “التقسيم” عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي نص على إنهاء الانتداب الإنكليزي على فلسطين، وتقسيمها إلى دولتين، ونص القرار على تحويل القدس بضواحيها إلى وحدة إقليمية مستقلة ذات وضع دولي خاص.

وخصصت للدولة اليهودية مساحة 14.1 ألف كيلومتر مربع (56% من أراضي فلسطين) بسكان عددهم 498 ألف يهودي و497 ألف عربي. في حين خصص للدولة العربية 11.1 ألف كيلو متر مربع (43% من أراضي فلسطين) بسكان عددهم 725 ألف عربي وعشرة آلاف يهودي. وخصص للقدس وضواحيها 117 كيلومترا مربعا بسكان عددهم 205 آلاف شخص، ومنهم مئة ألف يهودي([20]).

بعد إعلان قيام دولة إسرائيل، بدأ الصدام بينها وبين الدول العربية المحيطة، لتندلع حرب “النكبة” بعد أيام قليلة من الإعلان، واستمرت لغاية آذار 1948؛ بعد أن شاركت فيها كل من مصر والأردن والعراق وسوريا ولبنان والسعودية. وكان من نتائج هذه الحرب ضَـمُّ إسرائيل لأكثر من 75% من الأراضي الفلسطينية!

2-من منظمة التحرير إلى أوسلو:

تم الإعلان عن إنشاء “منظمة التحرير الفلسطينية” في أيار 1964 بمدينة القدس، تبعه تشكيل “جيش التحرير الفلسطيني” في نهاية العام نفسه.

وفي الخامس من حزيران 1967، بدأت إسرائيل عدوانها على مصر والأردن وسوريا. واحتلت سيناء، وهضبة الجولان، والضفة الغربية، والقدس الشرقية، وقطاع غزة؛ فأمست فلسطين كلُّها تحت سيطرة إسرائيل.

وفي شباط/ فبراير 1969 انتخب الراحل ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبقي كذلك إلى أن تم اختياره رئيساً للسلطة الفلسطينية بعد ما يقرب من عشرين عاماً.

وتعتبر القمة العربية التي عقدت في الرباط عام 1974 منعطفًا تاريخيًا مهمًا لمنظمة التحرير وللقضية الفلسطينية عمومًا، فقد صدر قرار من القمة باعتبار “منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني”. وهو ما أهلها لأخذ مقعد “مراقب” في الأمم المتحدة والتحدث باسم الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية([21])؛ إلا أن هذا القرار هو إعلان واضح بتحويل القضية الفلسطينية من قضية عربية شاملة إلى قضية فلسطينية محدودة، وبالتالي تحويل مسار الصراع العربي- الإسرائيلي إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي متمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية فقط.

3-أوسلو 1993:

اتفاق أوسلو، أو اتفاق (غزة- أريحا)، عبارة عن معاهدة سلام وقعتها إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، في الـ13 من أيلول 1993، وسمي الاتفاق نسبة إلى مدينة “أوسلو” النرويجية التي تمت فيها المحادثات السرّية وأنتجت هذا الاتفاق الذي جاء بعد مفاوضات انبثقت بعد مؤتمر مدريد1991. وتم توقيعها في حفل رسمي بحديقة البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، بحضور رئيس منظمة التحرير الفلسطيني، الراحل ياسر عرفات، ورئيس وزراء إسرائيل “إسحق رابين” ورئيس الولايات المتحدة “بيل كلنتون”.

وثائق المعاهدة وقّع عليها وزير خارجية إسرائيل آنذاك شمعون بيريز، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة بأمين سر اللجنة التنفيذية “محمود عباس”، ووزير خارجية الولايات المتحدة” وارن كرستوفر” ووزير خارجية روسيا “أندري كوزيريف”([22]).

وبذلك اعترفت إسرائيل لأول مرة بمنظمة التحرير الفلسطينية، كما اعترفت المنظمة بإسرائيل؛ مقابل منح الطرف الأول إدارة السلطة داخل كل من الضفة الغربية وقطاع غزة من بين بقية الأراضي الفلسطينية (78%) التي أضحت تحت سيطرة إسرائيل، فأنهت الاتفاقية بذلك عقوداً من الصراع بين الطرفين، وقروناً من القلق والخوف اليهودي من ضياع حلم “دولتهم” وتوسعها واستقرارها على حساب الشعب الفلسطيني.

فسمحت إسرائيل لذلك الشعب، بموجب الاتفاق، بإقامة حكم ذاتي، أصبح يعرف فيما بعد بـ”السلطة الوطنية الفلسطينية” على الأراضي التي تنسحب منها في الضفة الغربية وغزة (حكم ذاتي للفلسطينيين وليس دولة مستقلة ذات سيادة).

أما مسألة القدس وإدارة قسميها الشرقي والغربي وأماكنها المقدسة وسكانها، فقد تم تأجيل المفاوضات حولها لثلاث سنوات لاحقة لتنفيذ الاتفاق، وكذلك الأمر بالنسبة للاجئين وحق العودة، وأيضاً مصير المستوطنات في الضفة وغزة.

فلا المستوطنات تم تفكيكها، ولا اللاجئون عادوا لديارهم أو تم تعويضهم. أما القدس، فكانت باتجاه أن تصبح العاصمة التاريخية لدولة إسرائيل بعد نقل الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، السفارة الأميركية إليها.

يعلّق “مصطفى البرغوثي”، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، على الاتفاق فيقول: “اتفاق أوسلو كان أكبر فكرة عبقرية في تاريخ إسرائيل لأنه ضمن استمرار الاحتلال دون أن تدفع إسرائيل تكاليف الاحتلال”.

واستخدمت إسرائيل الاتفاق كذريعة لمواصلة بناء وتوسعة المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها منذ عام 1967.

ويصف أحد الكتّاب الفلسطينيين([23]) الاتفاقية بأنها “مصيدة”، فيقول: “دخلت قيادة منظمة التحرير الفِلسطينية، والشعب الفِلسطيني، أكبر مصيدة في العصر العربي الحديث، نصبها لها الإسرائيليّون وحلفاؤهم الغربيون وبعض العرب بدقّة، ودخلت في دهاليزها وهي مفتوحة العَينين، مصدقة كذبَة السَّلام وإقامة الدولة الفلسطينيّة المستقلة، وهي كذبة فضحتها الوقائع اللاحقة على الأرض”.

إن اتفاق أوسلو، بالرغم من نتائجه السياسية المهمة للفلسطينيين على صعيد ولادة سلطة وحكومة فلسطينية وأرض خاصة بالشعب الفلسطيني، إلا أنه كرس سيطرة إسرائيل على بقية الأراضي الفلسطينية، وتطويق قطاع غزة والضفة الغربية أيضاً، البقعتان اللتان تم منحهما للسلطة الفلسطينية في أوسلو، حيث نص البند الثامن من بنود الاتفاق، والمتعلق بالأمن العام، على ما يلي:

“من أجل ضمان النظام العام والأمن الداخلي لفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة سيشكل المجلس قوة شرطة فلسطينية قوية بينما تواصل إسرائيل تحمل مسؤولية الدفاع ضد المخاطر الخارجية وكذلك مسؤولية أمن الإسرائيليين العام بغرض حماية أمنهم الداخلي والنظام العام([24])”. ما يعني أن المنطقتين (الضفة وغزة) هما تحت سيطرة ورحمة الجيش الإسرائيلي وله الحق في التدخل في أي لحظة بذريعة حماية أمنه ونظامه.

 

 

/المراجع والمصادر/


[1] – أشرف صالح السيد، الدبلوماسية الأيوبية الصليبية- 1191/1192م- شركة الكتاب العربي الإلكتروني، لبنان، 2007، ص13.

[2] – محمد مؤنس عوض، – أضواء على الإسهام الطبي لموسى بن ميمون في مصر الأيوبية، بحث منشور في مجلة الشرق الأوسط بجامعة عين شمس، ع 26، القاهرة: 2010.

[3] – أبو شامة المقدسي، عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، دمشق 1992، ص 272.

[4] – أشرف السيد، المرجع السابق، ص 34.

[5] – حسين مؤنس، أطلس تاريخ الإسلام، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، 1987 ،ص269/270

[6] – العهدة العمرية، ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

[7] – موقع المعرفة، موسى بن ميمون، الرابط: http://soo.gd/luyW

[8] – موقع “الأقباط متحدون”، الرابط: http://www.copts-united.com/Article.php?I=3006&A=308172

[9] – موقع المعرفة، مقالة بعنوان “تاريخ اليهود في الدولة العثمانية”.

[10] – أكرم بوغرا إيكنجي، جريدة ديلي صباح التركية، مقال بعنوان “اليهود في الدولة العثمانية، 13/10/ 2017.

[11] – المعرفة، المرجع السابق.

[12] – تاريخ اليهود في الدولة العثمانية، ويكيبيديا.

[13] – عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية: 6/ 177

[14] – ذوقان قرقوط- الأسطورة والحقيقة في التاريخ العربي الحديث، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2005، ص37.

[15] – أنور محمود زناتي، مجلة البيان، مقال “بيع الأراضي الفلسطينية حقيقة أم باطل؟”، 31/10/2010، العدد274.

[16] – أنور محمود زناتي، المرجع السابق.

[17] – الشبكة الإسلامية العربية الحرة، الرابط: http://www.shabkh.com/view1thread.php?id=80982&fid=3

[18] – موقع تراثيات، كيف نجح “محمد علي باشا” في تحقيق أحلام “الصهاينة” بـ “فلسطين”للكاتب وسيم عفيفي، 27/7/2017

[19] – موقع الكنيست الإسرائيلي، وثيقة الاستقلال: https://knesset.gov.il/docs/arb/megilat.htm

[20] – الجزيرة نت، قرار تقسيم فلسطين ووضع القدس فيه، 29/11/ 2017: http://soo.gd/kw7u

[21] – الجزيرة نت، منظمة التحرير الفلسطينية: http://soo.gd/QlAx

[22] – المعرفة: http://soo.gd/ax56

[23] – من مقال لعبد الباري عطوان (كونه فلسطيني معاصر للاتفاقية ويعتبر من الدائرة القريبة للمشاركين فيها بصرف النظر عن الجدل المثار حول مواقفه اليوم)- bbc، صحف عربية،: هل اتفاق أوسلو “خطيئة سياسية يدفع ثمنها الفلسطينيون؟”،14/9/2018: http://www.bbc.com/arabic/inthepress-45519412

[24]- السفير، بيروت، 1 /9 /1993




هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *