الجند نت

أخبار العالم بين يديك

متى تخرج “أسماء الأسد” من المشهد السوري؟


أحد العوامل التي تفيد بشكل جيد في فهم الميكانيزمات الحاكمة لعمل نظام الأسد المُؤسَّس منذ أكثر من نصف قرن، هو في تحديد مصدر القوة الحاسم في فرض موازين القوى بين أركانه. ولتحديد مصدر القوة هذا، دعنا نعود إلى لحظة مفصلية في تاريخ هذا النظام، في خريف العام 1983، حينما ألمت بـ حافظ الأسد وعكة صحية شديدة. ودعنا نتساءل: ماذا لو أن “القدر” غيّر مساره في تلك اللحظة، وقضى الأسد الأب في تلك الوعكة، من كان سيتولى قيادة هذا النظام حينذاك؟ أعتقد أن كثيراً من المطلعين على تفاصيل ذلك المنعطف، عبر الوثائق والشهادات المتوافرة لدينا، سيتفقون مع كاتب هذه السطور، بأن قيادة نظام الأسد، حينئذ، كانت ستؤول، دون وجود منافسة جدّية، إلى رفعت الأسد، الشقيق القويّ لـ حافظ الأسد. ولو حدث ذلك حينذاك، كان أولاد حافظ الأسد، الثلاثة (باسل وبشار وماهر) سيخرجون من الدائرة الضيقة لقيادة النظام، ومعهم أمهم “العتيدة” أنيسة مخلوف. وما كنا شاهدنا أي نفوذ لاحق، كالذي شاهدناه منذ نهاية عقد التسعينات، لـ آل مخلوف. باختصار، كان رفعت الأسد وسلالته من بعده، سيحتلون المشهد القيادي في قمة هرم النظام.

يفيدنا هذا النقاش في التذكير مجدداً بمصدر القوة الرئيس داخل نظام الأسد، الذي أسسه الأسد الأب، بدعم من شقيقه، وبعض الضباط المقربين. وهو النفوذ داخل جهازَي الجيش والمخابرات. وهذا النفوذ يتطلب جملة صفات مجتمعة تجعل من شخص محدد، الأقدر على قيادة هذا النظام دون أن ينفرط عقده، أبرزها الانتماء للحاضنة الشعبية التي تشكل النواة الصلبة لجهازَي الجيش والمخابرات، والخبرة الجيدة بتركيبة هذين الجهازين تحديداً، وكذلك الانتساب لـ آل الأسد، بصورة خاصة. وهو ما يفسر الانتقال السلس للسلطة لاحقاً، عام 2000، بعد رحيل الأسد الأب، رغم الشكوك التي اعترت كثيراً من المراقبين المحليين والخارجيين، في ذلك التاريخ، من احتمال انفراط عقد النظام الحاكم.

 

أسماء الأسد “ضعيفة” داخل هرمية النظام

 

تفيدنا القراءة أعلاه، في رسم سيناريوهات مرجحة لمستقبل الخلافة في قمة هرم النظام، في حين لو خرج الأخير، سالماً من اللحظة المفصلية الراهنة التي يعيشها اليوم. وإن كنا نعتقد أن هذا النظام يعيش تحدياً وجودياً جديداً، لا يقل خطورة عن ذاك الذي واجهه بعيد اندلاع ثورة عام 2011، إلا أننا نعتقد في الوقت نفسه، أن الجزم في إمكانية تغيير تركيبته، بسلاسة، من جانب القوى الخارجية المؤثرة داخل المشهد السوري، ليس بالأمر الهين، كما يصوّره البعض. بل على العكس، يعتقد كاتب هذه السطور، أن الضغط لإزاحة “آل الأسد” تماماً من تركيبة النظام، قد تهدد بانهيار النظام برمته، وهو ما لا تريده جُلّ القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المشهد السوري، رغم اختلاف وتناقض مصالحها، خشية انفلات حالة فوضى لا يمكن ضبطها.

مناسبة هذا الحديث، هو ذلك التقرير المطوّل، واللافت للغاية، الذي خصّته مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية العريقة، لرصد مسار تطور نفوذ أسماء الأسد، داخل قمة هرم النظام، منذ اقترانها بـ بشار، وحتى اليوم. كان التقرير متقناً لجهة طريقة عرض مسار التطور هذا. وكان متقناً أيضاً، لجهة الخاتمة التي انتهى إليها، وهي الإشارة إلى أنه رغم تراكم النفوذ والسلطة الذي تحقق لصالح أسماء الأسد، والذي ظهر مفاجئاً للبعض، بوصفه ظهر إلى السطح خلال السنتين الأخيرتين فقط، إلا أنها ما تزال أكثر ضعفاً من أن تلعب دوراً حاسماً في خلافة زوجها، على رأس هرم النظام. خصوصاً، مع وجود منافس يحمل المواصفات المطلوبة بدقة، لاحتلال دفة القيادة على رأس هرم النظام، في وقت لو شَغِر بشكل مفاجئ. وهو ماهر الأسد، الشقيق الأصغر لـ بشار، والرجل الذي نجح في تحقيق معادلة فشل عمّه، رفعت، في إنجازها، وهي امتلاك نفوذ صارخ داخل أقوى فرقة نخبوية في الجيش –الفرقة الرابعة- مع عدم إبداء أي طموح سياسي مكشوف، يشكل استفزازاً لشقيقه الأكبر، بصورة تسمح باندلاع صراع سابق لأوانه، داخل قمة هرم النظام، بصورة قد تهدد بانفراط عقده، نظراً للتهديدات الوجودية التي تواجهه منذ العام 2011.

الخشية من أن يؤدي صراع كهذا إلى انفراط عقد النظام، هي التي دفعت رفعت الأسد في مطلع العام 1984، إلى الانكفاء لصالح شقيقه الأكبر. فرفعت، رغم ما عُرف عنه من تهور وطموح عارم، إلا أنه لم يكن من السذاجة إلى درجة تصوّر له بأن العائلة الكبيرة “آل الأسد” ستخرج سالمة من صراع مباشر بين الشقيقين على الحكم. فذلك كان يعني تهديد إحدى أبرز ميكانيزمات ضبط العمل داخل هذا النظام، والتي تشكل العائلة – آل الأسد- وحدته الجوهرية. فالنظام السوري، وفق توصيف قديم لخبيرة العلوم السياسية، المصرية القديرة، نيفين مسعد، يتشكل من هرمية، تتربع على رأسها، العائلة، تتلوها العائلات المتصاهرة معها –القبيلة-، ومن ثم “الطائفة”. وفي كتابها الذي تعود الطبعة الأولى منه إلى تاريخ عام 1988، والذي حمل عنوان “الأقليات والاستقرار السياسي في الوطن العربي”، تشير نيفين مسعد إلى تلك الهرمية بوصفها سرّ استقرار نظام الأسد. بمعنى آخر، فإن خروج هذه العائلة من قمّة الهرم، يهدد استقرار النظام، بشكل كبير.

 

الضجيح حول “أسماء الأسد” أنسى مراقبين ميكانيزمات عمل النظام

 

 وبالعودة إلى ماهر الأسد، فالأخير تعلّم من تجربة عمّه، أن يمتلك نفوذاً كبيراً داخل الجيش، في الوقت نفسه، الذي يعمل فيه بهدوء لتعزيز عوامل قوته بصورة تسمح له بالانقضاض على كرسي الحكم، في التوقيت المناسب فقط. وهو ما يقوم به ماهر الآن، عبر ما يُعرف بـ “اقتصاد الفرقة الرابعة”، الذي تحدث عنه باقتدار، الباحث السوري، أيمن الدسوقي، في دراسته الصادرة قبل حوالي العام، “شبكة اقتصاد الفرقة الرابعة خلال الصراع السوري” عبر برنامج “مسارات الشرق الأوسط”. وهي دراسة عرّت بعض الخفايا بخصوص كيف يصوغ ماهر الأسد نفوذه داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد السوري. وإن كانت الدراسة حينئذ، رهنت تطور هذا النفوذ بالعلاقة مع الروس، والعلاقة مع “القصر الجمهوري”، في إشارة إلى بشار الأسد، إلا أنها في الوقت نفسه، كشفت عن أن الشقيق الأصغر لرأس النظام، لا يدير فقط أقوى فرقة نخبوية في الجيش، بل أيضاً، يتوغل داخل الجهاز البيروقراطي لمؤسسات الدولة، وداخل مفاصل الاقتصاد السوري، بهدوء شديد، بعيداً عن الضجيج الذي يحيط بتصاعد نفوذ أسماء الأسد. هذا الضجيج الذي جعلها محط أنظار الداخل والخارج، بصورة منحتها أكثر من وزنها، وأغرت مراقبين بالذهاب بعيداً في تحليلاتهم، وصولاً إلى التساؤل عن مصدر قوة ظاهرة “أسماء الأسد”. ذلك أن هذا الضجيج المحيط بـ “سيدة الجحيم” أنسى كثيراً من المراقبين الميكانيزمات الحاكمة لموازين القوى داخل بنية نظام الأسد. وهي ذات الميكانيزمات الحاكمة له منذ تأسيسه على يدِ الأب. حيث تكون الخلفية العسكرية والانتماء للحاضنة الشعبية الموالية التي تشكل النواة الصلبة داخل الجهازين العسكري والأمني، هي جوهر القوة القادرة على فرض شخص محدد ليكون على رأس هرم النظام. أما مصدر قوة “أسماء الأسد”، فهو ذاته مصدر قوة “حماتها” الراحلة، أنيسة مخلوف، قبل انتقال السلطة إلى ابنها عام 2000. كان حينذاك، حافظ الأسد هو مصدر القوة. وهو اليوم، بشار الأسد، الذي يعمل بتسارع على تعزيز نفوذ زوجته، خشية أن يخرج من المشهد، بطريقة ما، تقطع الطريق على توريث الحكم لأولاده. وبشار هنا، لا يُبدع شيئاً جديداً في تاريخ النظام الذي أسسه والده، بل يستنسخ استراتيجية الأب، التي مهدت لتوريثه الحكم، كما استنسخ استراتيجيته أيضاً، في قمع الحراك المعارض، دون أن يمتلك حنكة الأب في التكتيكات المرافقة لتلك الاستراتيجيات.

فرغم حجم ما تمتلكه “أسماء الأسد” اليوم من النفوذ الظاهر للعيان، في الاقتصاد والجهاز البيروقراطي للدولة، إلا أن جبل الجليد المخفي من نفوذ ماهر الأسد، يفوقها بمرات. وهو ما أشار إليه، تقرير “ذي إيكونوميست”، في خاتمته. وهي إشارة يجب أن نتذكرها دوماً، حينما نحاول قراءة موازين القوى داخل نظام الأسد، كي لا نخطئ في فهم كيف يعمل هذا النظام.

 

مستقبل خلافة رأس هرم النظام قد تتوقف على “القدر”

 

فلو كُتب لنظام الأسد أن ينجو من التهديد الوجودي الذي يواجهه اليوم، والمتمثل في إصرار قوى دولية وإقليمية فاعلة على إجراء تغييرات في ميكانيزمات عمله، تسمح بتغيير موازين القوى داخله، كشرط لإعادة تأهيله.. لو خرج نظام الأسد من هذا التهديد، سالماً، فهذا يعني أن السيناريو المرجح لخلافة رأس النظام، سيتوقف على “القدر”. هل سيُمهل بشار الأسد الهامش الكافي من الوقت لترتيب توريث الحكم لابنه، كما أمهل والده؟ إذ لو خرج بشار الأسد من المشهد، قبل الوصول إلى مرحلة التوريث، حينئذ قد تكون “أسماء الأسد” أمام احتمال خسارة كل شيء، مع أولادها، لصالح “ماهر الأسد”. أو في سيناريو آخر، أكثر تفاؤلاً، أن تبقى “أسماء الأسد” رأس جبل الجليد الظاهر، عساها تحظى بقبول خارجي ومحلي أفضل، في وقت تبقى القوة الصلبة في قبضة “ماهر الأسد” تحديداً.

 

فشل روسي داخل جيش النظام

 

لكن، هل يستطيع الضغط الإقليمي والدولي – الأميركي تحديداً- أن يُخضع بشار الأسد للقبول بتغيير ميكانيزمات العمل داخل النظام؟ الإجابة تبدو سلبية حتى الآن، رغم كل المحاولات الروسية المبذولة منذ سنتين، وحتى اليوم، لمأسسة الجيش السوري، بحيث يصبح جهازاً يعمل وفق تراتبية القيادة الرسمية. وهو ما قاومه بشار الأسد بنجاح، حتى الآن، بمساعدة شقيقه الأصغر، بحيث تبقى الشبكات غير الرسمية التي تخترق الجيش من أعلى إلى أسفل، والتي تعمل لصالح الشقيقين، هي التي تمسك بالجيش، كي لا ينقلب الأخير إلى أداة ضغط ضد بشار وماهر. تلك الحيثية أشار إليها بشكل لافت، الباحث يزيد صايغ، في تقرير نُشر في آذار/مارس 2020، تحت عنوان “الاعتبارات السياسية السورية تغلب على الإصلاحات العسكرية الروسية”، ونشره موقع مركز “مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط” في بيروت.

 الفشل الروسي في تحقيق الوصول إلى العتبة الكافية من الاختراق، التي تتيح لموسكو التحكم بالجيش السوري، هي التي تفسر عجز الروس عن إزاحة رأس النظام عن موقعه، والوصول إلى تسوية مع الغرب، تتيح إعادة إعمار البلاد، وتحويل الاستثمار العسكري الذي دفعه الروس في سوريا، إلى مرابح اقتصادية وسياسية مُستدامة لصالحهم.

 

هدوء “ماهر الأسد” سيزول حالما يزول التهديد الوجودي للنظام

 

ومن غير المتوقع، أن تتوقف محاولات الروس لتحقيق القدر المطلوب من الاختراق داخل الجيش. لكن في الوقت نفسه، فإن للإيرانيين دورا بارزا في دعم “بشار وماهر”، لإفشال المسعى الروسي، الذي يهدد مصالح الطرفين معاً، “الإيراني والأسدي”. لذلك إن استمرت حالة الفشل الروسي تلك، بصورة تضطر القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً فيها إلى القبول بإعادة تأهيل النظام، بحالته الراهنة، فإن ذلك يعني حينذاك، زوال التهديد الوجودي لقمة هرم النظام، بصورة ستتيح المجال لتعزيز المنافسة على ترتيبات خلافة بشار.

 فالأخير، سيعمل بشكل مكثف أكثر لترتيب توريث الحكم لابنه، باستخدام الاستراتيجية التي اعتمدها والده، وهي تعزيز نفوذ زوجته –أسماء الأسد- كي تكون قادرة على دعم الابن، حال توليه السلطة، حينما يغيب “بشار”. في الوقت نفسه، سيزول الهدوء الذي يعمل بموجبه، ماهر الأسد، اليوم، لتحل مكانه استراتيجية “حميمية”، لتعزيز قدرته على أن يحل مكان شقيقه، حالما يغيب الأخير. أو حتى ربما، الانقلاب عليه، قبل أن يتمكن من إنجاز ترتيبات توريث الحكم لابنه. وكما أشرنا، آنفاً، حينئذ ستخرج “أسماء الأسد”، وأولادها، تماماً من المعادلة. أو ستبقى –في سيناريو أقل احتمالية- كواجهة لـ “ماهر الأسد”، وتحت رحمة هذا الأخير.

 

“رفعت آخر” ما يزال داخل الصورة

 

“سيدة الياسمين” التي حولتها حرب زوجها على السوريين، إلى “سيدة جحيم”، ليست ظاهرة فريدة لامرأة قوية، قادرة على الإمساك بزمام إحدى بلدان العالم الثالث، كما يتصورها البعض. هي استنساخ لتجربة “أنيسة مخلوف”، برعاية زوجها، وفق نفس الآليات التي اتبعها الأب. مع فارق واحد فقط، أن “رفعت آخر”، ما يزال داخل الصورة، بخلاف ما حدث نهاية التسعينيات، حينما كان حافظ الأسد يسارع الخطى لترتيب توريث الحكم لابنه بشار.




هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *