الجند نت

أخبار العالم بين يديك

لماذا يغيب تاريخ الشام خلال القرون الثلاثة الأولى من الحكم العثماني؟

قليلة هي المؤلفات التي تسلط الضوء على بلاد الشام عموماً، بما فيها سوريا، خلال الفترة الممتدة من بداية الحكم العثماني في القرن السادس عشر الميلادي وصولاً إلى بداية القرن التاسع عشر، ما يعني أن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية غير معروفة تماماً بالنسبة للباحثين أو حتى المهتمين بتلك الفترة.

المجتمع السوري في مطلع العهد العثماني

ورغم تطور مناهج البحث التاريخي وتشكل العديد من مراكز الدراسات التاريخية العربية، والتقارب العربي التركي الذي أعقب وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا، وفتح الأرشيف العثماني أمام الباحثين، ولكن إلى الآن لم نقرأ مؤلفاً مهماً في هذا السياق، هذا إن لم يكن هناك تغييب متعمد لتلك الفترة، ما يجعلنا نعود إلى كتب تم تأليفها قبل عقود من الزمن.

في كتابها “المجتمع العربي السوري في مطلع العهد العثماني” حاولت المؤلفة ليلى الصباغ أن تضيء على تلك الفترة من النواحي الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، رغم أهميته إلا أنه لا يغوص كثيراً في الأعماق، ربما لنقص المراجع، وهو ما تقر به الكاتبة في كتابها.

العربية ليست لغة الدولة

تلك الفترة -الحكم العثماني- التي يتناولها كتاب صباغ ليست أسوأ بكثير مما سبقتها -الفترة المملوكية- التي كُتب حولها الكثير وهي شبه معلومة للمهتمين. ترجح الكاتبة إلى أن سبب ذلك يعود إلى أن اللغة العربية لم تعد لغة الدولة الرسمية لدى العثمانيين، بينما كانت العربية لغة رسمية لدى المماليك، الذين لم يكونوا يستخدمون اللغة التركية إلا في المخاطبات ذات الصفة الأمنية أو الاستخبارية. وفي عصر المماليك المتقدم ظهر الكثير من العلماء والشعراء والفقهاء والفلاسفة، الذين ما زلنا إلى اليوم ندرس نتاجهم الفكري.

انفتاح لم يدُم طويلاً

غير هذا، هناك أسباب عديدة تقف وراء هذا التغييب، أهمها الإرادة القومية العربية بتكريس فكرة أن العصر العثماني هو عصر تخلف وانحطاط من بدايته إلى نهايته وفي كل المناطق الشاسعة التي كان يحتلها، ولكن الواقع الفعلي هو أنه كان هناك علماء وشعراء ومعماريون وفلاسفة ألفوا الكثير من الكتب باللغة العثمانية، ولكن يتم تغييبهم لأسباب سياسية.

كما أن الانفتاح العربي التركي الذي أعقب الانغلاق الطويل لم يدم طويلاً، إذ قسمت تحالفات الربيع العربي إلى فسطاطين، فسطاط مناوئ وآخر مؤيد، وعليه فقد أُلفت مؤخراً العديد من الكتب لتكريس الصورة التي بدأها القوميون العرب، وتم إنتاج العديد من الأفلام والمسلسلات كردة فعل على مسلسلات تركية لاقت نجاحاً كبيراً عن السلاطين العثمانيين.

الديوان الإسبرطي

في العام الماضي فازت رواية “الديوان الإسبرطي” بجائزة بوكر للرواية العربية.. رواية لا يحتاج القارئ فيها إلى كثير من الفطنة والذكاء حتى يكتشف أن سبب فوزها كان سياسياً بامتياز، في ظل الحرب الباردة بين تركيا والإمارات، ومما لا شك فيه أن الأدب هو أحد مناحي هذه الحرب.

thumbnail_political_economy_of_damascus_-_swrt.jpg

الرواية ذات الإيقاع البطيء التي تتكلم عن الفترة التي احتل فيها الفرنسيون الجزائر، تذم كثيراً على لسان غير واحد من الرواة الأتراك “الجبناء” الذين فروا وتركوا الجزائريين لمصيرهم أمام الفرنسيين، وهم لا يحبون إلا المال والنساء، وينظرون باحتقار للـ “مورو” أي سكان شمال أفريقيا، الذين بدورهم يشاطرونهم ذات المشاعر. فالعرب يعشقون الحرية، لذلك هم يكرهون هؤلاء العجم ذوي العمامات الكبيرة، الذين لا هم لهم سوى جمع الذهب وكنزه.

أحداث دمشق

رغم أهميته، إلا أن كتاب “المجتمع العربي السوري في مطلع العهد العثماني” لا يذكر إلا أقل مما ورد في كتاب “حوادث دمشق اليومية” لـ أحمد البديري الحلاق الذي يعتبر من أهم المراجع التي تتكلم عن تلك الفترة، كونها يوميات تنقل أخبار الشام السياسية والاجتماعية من عام 1740 حتى 1761 وكتبها صاحبها بلغته البعيدة عن التكلف أو التأطير الاجتماعي والسياسي.

دمشق المركز التجاري المهم في المنطقة لم تتأثر كثيراً، كما كل المنطقة باكتشاف البرتغاليين لرأس الرجاء الصالح وسيطرة الغرب على تجارة التوابل من الهند والصين، وهذا الاكتشاف لم يكن إلا قبل عدة عقود من معركة “مرج دابق” بين المماليك والعثمانيين، والتي سيطر الأخيرون بعدها على بلاد الشام وأصبح الطريق أمامهم مفتوحاً إلى مصر والحجاز.

دمشق والحج

لم تفقد دمشق أهميتها رغم ذلك لعدة أسباب: أهمها موقعها الجغرافي بين ثلاث قارات، ولاهتمام الأوروبيين بالطريق البري الذي يمر منها ويوصل إلى شرق آسيا، فضلاً عن اهتمام الأوروبيين بتثبيت أقدامهم فيها.

وتأتي أهمية دمشق كذلك من كونها مركزاً لتجمع الحجيج، وهو ما كانت الدولة العثمانية توليه اهتماماً فائقاً، فوالي دمشق هو وزير الحج والمسؤول عنه، فرغم أهمية ولاية حلب التي تعد ثالث أهم مدينة في السلطنة العثمانية بعد إسطنبول والقاهرة إلا أنه لم يكن فيها عسكر (قابي قول) وهم جند الانكشارية التابعون مباشرة للباب العالي، وهؤلاء لا يوجدون إلا في المدن المهمة وتوكل إليهم مهمات القضاء على الثورات التي كانت تندلع ضد الدولة العثمانية، ربما لأن دمشق كانت عاصمة إقليم بلاد الشام.

رخاء اقتصادي

تقول الصباغ: “ويمكن القول إن رخاء دمشق الاقتصادي في العهد العثماني ارتبط ارتباطاً كبيراً بحركة الحج، إذ إن الموسم نفسه كان يوجد في أسواق دمشق حركة تجارية ضخمة، فقد كان الحجيج يفدون إليها ليتزودوا قبل سفرهم منها بجميع ما يحتاجون إليه من مواد غذائية تكفيهم لثلاثة أشهر كاملة هي فترة الذهاب إلى مكة والإياب منها. وكانت أعدادهم بالآلاف، حتى إن بعض القوافل الذاهبة إلى مكة كانت تعد من ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف جمل، وكان يتطلب دخول بعضها إلى دمشق أو خروجها منها يومين كاملين”.

ليلى الصباغ التي توفيت عام 2013 أكاديمية وباحثة في مجال التاريخ، لها العديد من المؤلفات، وهي أول امرأة تدخل مجمعاً علمياً عربياً، ولكن ما استوقفني في هذا الكتاب ليس بعض التحامل على العثمانيين، الذي كان سائداً خلال فترة المد القومي العربي، وإنما يكمن في وصفها الحكم العثماني بـ “الفتح” تارة وتارة أخرى بـ “الاحتلال”، رغم أن الفرق بينهما كما الفرق بين الجنة والنار.



هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *