الجند نت

أخبار العالم بين يديك

لبنان والتدويل المستحيل إلا بعد تحول البلد إلى ركام

ينتشر في لبنان خطاب التّدويل ويتقدم إلى واجهة المشهد وكأنه نوع من استجرار العروض، بينما يقول واقع الحال إن البلد قد خرج منذ فترة لم تعد وجيزة من مدار الاهتمام الدّوليّ، وبات ملحقًا بصورة حزب الله ومرتبطًا بها بشكل وجودي.

تناول الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله موضوع التّدويل في خطابه الأخير على أنه المسار المناقض للسّيادة والمنتج للحرب، وبأنه يفتح باب التّوطين ويمثّل حالة استقواء على لبنانيين آخرين.

ولكنّ التّدويل الّذي يتمّ عرض أخطاره وتفصيل مساوئه ليس مطروحًا أساسًا، مع أن البلد في هذه الفترة شهد حركة سفراء، وتم تناوله في تصريحات لوزارة الخارجية الأميركية بادرت فيها إلى إطلاق تطمينات عامة بأنها لن تترك اللّبنانيين نهبًا لأطماع حزب الله وتوحشه، وتعلن أنها تعتبره إرهابيًا، وكذلك فإن الرّئيس الفرنسيّ ماكرون لا يزال مصرًا على تمرير مبادرته التسووية الّتي أعلنت إيران رفضها بشكل مباشر.

كل ذلك لا يعني أنّ لبنان مدار اهتمام دوليّ لأنّ كلّ المبادرات ترتبط بتشكيل حكومة وعودة الانتظام إلى العمل المؤسساتيّ ومحاربة الفساد، وهذه كلّها قد باتت في حكم المستحيلات، لأن إيران تسعى إلى حصر التّفاوض مع أميركا والغرب في الشّأن النووي، وتحرص على استثناء الصّواريخ الباليستية والميليشيات التّابعة لها من أيّ صفقة محتملة.

حزب الله يمارس السّلوك نفسه في لبنان ويربط الإفراج عن الحكومة بشرعنة سيطرته التّامة على البلد، وتبرير كل ما يقوم به من تفكيك لكل مقوّماته، اقتصاديًا، واجتماعيًا، وأمنيًا، وسياسيًا، وحتى أخلاقيًا.

منطق التّدويل الذي يقبل به حزب الله يعني أن يبادر من لا يزال يحمل للبلد مكانة أو يرغب في مساعدته إلى تمويل الطّرف الذي لا يفعل سوى تخريبه وتفكيكه، لأنّه ببساطه وبعد أن صار البلد مجرد ساحة للحزب الإلهي، فإنّه لم يفتقد المكانة وحسب، بل بات بمثابة أرض الأعداء.

التّحول المرعب في وضعية البلد جعلته معدًّا بشكل كامل للإهدار، بل حولت هذا الإهدار من سياق يتم بذل الجهود من أجل تجنّبه إلى مسار لا مفرّ منه.

ما يشار إليه من تدويل لا يعني السّعي إلى منع انهيار البلد ولكنّه بات يعني، على العكس من ذلك، تسريع هذا الانهيار وشرعنته والدّفع به إلى حدوده القصوى لأنه لا وجود لطريقة أخرى، يمكن أن تسمح بفصل البلاد عن السّيطرة المطلقة للحزب سوى كسرعظمه بشكل جدّي، وهذا ما لا يتيسر من دون خرابه.

التّحول المرعب في وضعية البلد جعلته معدًّا بشكل كامل للإهدار، بل حولت هذا الإهدار من سياق يتم بذل الجهود من أجل تجنّبه إلى مسار لا مفرّ منه

يعي الحزب هذا الأمر تمامًا ويعرف أن جملة من الظروف قد تآلفت ضده، وأنّ ما أسّس له من محو مكانة البلد وخصوصيّته، قد بات قنبلة موقوتة جاهزة للانفجار في وجهه، في حين أنه كان يعتقد أنه سيكون مادة للتّفاوض.

 إذا كانت إيران استقبلت ليونة وميوعة إدارة بايدن في التّعامل معها بالتّصعيد العسكريّ ضدّ السّعودية قصفًا بصواريخ حوثية، وفي لبنان باغتيال الباحث والناشر والمحلّل السّياسي لقمان سليم وفي العراق بتصعيد في أكثر من منطقة، سعيًا لخلق مناخ يتيح لها التّفاوض تحت النار، فإنه لا شيء يوحي بأن خصومها لن يفعلوا الأمر نفسه بتغطية أميركية ودعم عربي.

الساحة المعدّة للرّد على إيران بشكل واسع هي الساحة اللّبنانية لأسباب عديدة، أبرزها أنه لم يتيسّر لإيران إحكام قبضتها بشكل مطلق في أي من السّاحات التي تمدّ نفوذها فيها كما هو الحال في لبنان.

 في سوريا يتضاءل نفوذها أمام حضور القوى الكبرى وفي العراق شرع نفوذها بالتفكّك أو فلنقل إنه تخلخل والأمر كذلك في اليمن الّتي لا يعد رفع الحوثيين عن لائحة الإرهاب انتصارًا لها بل مدخلًا لتّدويل فعلي تدخل الإدارة الأميركية والأوروبيين على خطه، ولا يمكن أن تغيّر معادلاته مجموعة صواريخ تطلق على المطارات السّعودية.

لم يبق سوى لبنان الّذي يتسلّط حزبها الإلهي عليه بشكل محكم وحاسم ويصنع فيه الصّواريخ وينتج شبكات منظّمة تدعم نشاطاتها في كلّ المنطقة، لذا فإن التّفاوض بالنار الذي تعتقد أنه سيكون لصالحها وأن لا أحد سيقارعها فيه، يُرجّح أن يتبدد في لبنان، حيث لا يستبعد أن تشن إسرائيل حربًا واسعة عليه تهدف إلى كسر شوكة الحزب برعاية أميركيّة وقبول عربي.

ولكن مثل هذه الحرب التي ترتفع ترجيحاتها وتكاد تكون وشيكة الحدوث لا يمكن أن تتم من دون إغراق البلد في دمار شامل وكارثي، لأن حزب الله زرع الصواريخ ونيترات الأمونيوم في حدائق بيوتنا، وغرف نومنا، ومدارسنا وجامعاتنا، ومقاهينا حتى يربط مصيرنا به.

ولكن الجديد في كل اللعبة الكارثية هذه أنّه لم يعد أحد يبالي بهذا التّهديد، خصوصًا بعد انفجار المرفأ والطّريقة التي تعاملت بها السلطات الرسمية الخاضعة لتوجيهات الحزب مع الموضوع وما لحقه من تقلّص رهيب لشروط العيش اقتصاديًا وأمنيًا وعلى مستوى الحريّات الّتي تشهد حملة تطويع واسعة يقودها الحزب ويسخّر من أجلها المجلس النّيابي عبر استدعاء مسؤولي القنوات التلفزيونية لإسماعهم تقريع وتوبيخ رئيس لجنة الإعلام والاتصالات، نائب حزب الله حسين الحاج حسن، وفي خلفية المشهد صورة اغتيال لقمان سليم.

ينتظر اللّبنانيون كارثة مباشرة ضخمة وحاسمة وواضحة المعالم، قد يمكن من بعدها لمن بقي حيًّا، العودة لممارسة الحد الأدنى من الحياة، لأنّ ما يعانون منه تحت ظل الحزب الإلهيّ ليس سوى موت خالص مكتمل الأركان.

بعد كل هذا يبدو ما يشار إليه من تدويل مستحيلًا إلا بعد دمار البلد، وإنهاء حالة الحزب، وحينها قد يأتي التدويل.

 الكاتبة والناشرة رشا الأمير شقيقة لقمان سليم لخّصت المشهد حين خاطبت القتلة المعروفين قائلة لهم “مبروك عليكم هذا الرّكام”.

يتراكم هذا الرّكام بشراسة راسمًا معه ملامح تدويل لن يأتي إلّا بعد الخراب، ليتعامل مع عموم اللّبنانيين بلغة الإحسان العالمية الّتي تعني أننا قد فقدنا الحقّ في تقرير مصيرنا وأصبحنا أسرى احتلالات جديدة، جل ما نرجوه أن تكون أخفّ وطأة من الاحتلال الإيرانيّ الإلهي السّفاح.




هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *