الجند نت

أخبار العالم بين يديك

سلطة الإذلال خمسون عاما من حكم عائلة الأسد


الإذلال هو سلوك يمارسه فرد، أو جماعة، أو سلطة، بحق آخرين، أفرادٍ أو جماعات، وحتى دول أخرى، بهدف التقليل من قيمة المُذَل وتبخيسه، والحط من كرامته. وغالبا ما يقع الإذلال في الوجه الآخر للغطرسة، أو لجنون العظمة، فالشخص المتعجرف هو الأكثر ميلا لإذلال الآخرين. 

لكن الإذلال في المجتمعات التي يكون فيها منهج متعمد ومعمم، وقانون لعلاقة السلطة بمواطنيها، فإنه يصبح تعويضاً للذات المحتقَرة، وآلية لتخفيف وقع المهانة التي تلحق بهذه الذات من أطراف أخرى، هكذا تصبح القدرة على الإذلال معيارا لقيمة الشخص، وإثباتاً لوجوده ولأهميته.

هل يمكن للإذلال أن يلعب دورا في السياسة؟ وهل يمكن أن يكون من ضمن الأدوات المختارة لسلطة ما عندما تحاول إحكام سيطرتها على المجتمع الذي تحكمه؟ وهل يمكن للإذلال أن يغير مجرى حياة شعب أو دولة؟

أمضى “حافظ الأسد” العقد الأول من حكمه لسوريا بعد انقلابه العسكري” 1970 ” في تثبيت حكمه، فأضعف، ثم سحق كل ما يمكن أن يكون مصدر قوة قد تهدد يوما سلطته المطلقة، فلاحق الأحزاب، وأودعها السجون، ثم حلَّ النقابات، وهمّش الشخصيات الوطنية والدينية والاجتماعية التي لم تركب موجته، وبعد أن اطمأن إلى قوته وقدرته على سحق أي صوت معارض له، انتقل إلى الصيغة التي أرادها في علاقته مع الشعب السوري، وهي مرحلة الإذلال الصفيق لكل أفراد الشعب السوري، بما فيهم أولئك الذين ساندوه وصُنفوا على أنهم الصف الأول في مؤسسة السلطة.

أسس حافظ الأسد ما يمكن أن نطلق عليه “مملكة الذل”، مملكة هرمية تراتبية يخترقها الذل من أسفلها إلى أعلاها، ولم يكن أمام أي سوري يريد أن يخفف من جرعة الإذلال التي يتجرعها كل يوم، إلا أن يقلل من عدد من يذلّوه، عبر قبوله بقانون هذه المملكة، وخضوعه لها، وعبر محاولته صعود درجات هذا الهرم. وهو مدرك أنه على الرغم من صعوده في درجات هذا الهرم إلا أنه سيبقى مُذَّلا، لكنه بصعوده يتخفف من إذلال من تجاوزهم في صعوده، ويزيد من عدد من هو قادر على إذلالهم.

السوري لم يكن أمامه إلا أن يختار بين الصمت أو الخضوع، بين السجن أو النفي أو الذل، بين الخنوع أو الجحيم

في مملكة الذل التي أسسها حافظ الأسد كان هناك مبدأ وحيد، فما من كرامة لسوري- أي سوري- فقط من يخلصون له تخفف عنهم جرعة الذل. وحدها عائلته كانت قادرة على إذلال الجميع.

من طلائع البعث، إلى شبيبة الثورة، واتحاد الطلبة، والمؤسسة العسكرية، وصولا إلى الأحزاب المنضوية في الجبهة، ثم القضاء والثقافة والإعلام والمؤسسة الدينية، كل ذلك كان يبنى أو يدار بتراتبية الذل، ولهدف واضح هو خلق سوري مهان ومذلول، السوري لم يكن أمامه إلا أن يختار بين الصمت أو الخضوع، بين السجن أو النفي أو الذل، بين الخنوع أو الجحيم.

إن كنت سوريا وتعيش في سوريا زمن عائلة الأسد، إذا أنت عرضة للإذلال منذ أول لحظة تخرج فيها من منزلك، في وسائل النقل المكتظة، أو في “السرافيس” التي ستدخلها مطأطئا رأسك، وحاشرا نفسك بين أجساد الآخرين، وفي أي مؤسسة حكومية تدخلها سواء أكنت عاملا فيها، أو مراجعا لها لقضية ما.

في المدرسة سيرغمونك على ترديد شعاراتهم، وسترتدي اللباس الذي اختاروه لك، وسيقيسون طول شعرك، وستقرأ سيرهم الكاذبة، وستكتب عنها، وستركض في مهرجانات تبجيلهم مرغما، ستحمل صورهم، وتهتف لهم، وستفعل كل ما يريدون وأنت مهان وخانع.

في الجامعة سيعيدون عليك فصول إذلالهم، وسوف تشعر كل لحظة أنهم يراقبونك، وأن أنفاسك محصّية، وأحلامك لا معنى لها إن لم يوافقوا عليها، وأن لقمة خبزك القادمة سوف تكون عطاء منهم. وفي الجيش ستعرف جيدا كيف تُسحق كرامتك باسم كرامة الوطن، وكيف تُسَخّرُ خبراتك وإمكاناتك لخدمة آخرين يتموضعون في درجات أعلى منك في سلم الإذلال، وقد تضطر لرشوتهم، أو تساق لخدمة أولادهم، أو بيوتهم، أو مزارعهم، أو أبنيتهم التي تشيد.

عندما أعلن السوريون الذين صرخوا في الشوارع أنهم يريدون كرامتهم المسلوبة، وأنهم بحق صوت ثورة المذلولين الرافضين للذل، لم يكن أمام سادة مملكة الذل إلا أن يسرعوا لوقف عدوى الكرامة، كانوا في سباق مع الزمن، فإن أصابت عدوى الكرامة كل السوريين فإن مملكتهم التي شيدوها ستنهار كلها،

ولهذا زجوا بالجيش والمخابرات وميليشيا داعميهم في مواجهة شعب أعزل، لم يكن خوف قادة مملكة الذل من قوة المتظاهرين العسكرية، كان خوفهم المرعب من تفشي الإحساس بالكرامة، لذلك قنصوا المتظاهرين، وأطلقوا عليهم رصاصهم الحي، وسحلوهم في الشوارع، وارتكبوا المجازر بأهلهم وبلداتهم، واغتصبوا، ونهبوا، وهجّروا …

منذ البداية، عندما استباح أفراد من عائلة حافظ الأسد أملاك السوريين وأعراضهم وكرامتهم، وأذلوا السوريين علانية وفي وضح النهار، لم يكن الأمر اعتباطاً، وإلا لماذا لم يحاكم أيٌ منهم، ولماذا وقفت الدولة السورية كلها عاجزة عن محاكمتهم أو إيقافهم؟

لماذا يصرّ بشار الأسد على إعادة تماثيل والده إلى ساحات المدن المدمرة، ولماذا يمشي مقهقهاً في الشوارع التي تصطف على جانبيها بيوت خاوية مدمرة، ولماذا يصف ما يزيد عن نصف الشعب السوري بأنهم خونة، وعملاء، ومغرر بهم؟

لماذا يُذَلّ السوريون في وطنهم من قبل الروس والإيرانيين، وميليشيات حزب الله، والحشد، و فاطميون، وزينبيون و..و..

بالأمس أصدر بشار الأسد مرسوماً بتكليف حسين عرنوس مرة ثانية بتشكيل الحكومة، ورغم أن السوريين يعرفون جيدا أن الوزارة يشكلها القصر الجمهوري من ألفها إلى يائها، وأنها غير قادرة على أي فعل إلا بما يحدده لها القصر، فلماذا لم يحترم مواليه ويغير لهم الشخص الذي انتقدوه بغالبيتهم، وحملوه مسؤولية الوضع بالغ السوء الذي وصلوا إليه، ألم يكن من الأجدى أن يجاملهم قليلا، وأن يظهر بعض الاحترام لرغباتهم ويكلف شخصاً آخر في موقع رئاسة الوزراء الشكلية؟

لماذا تصر الحكومة السورية على تجريع المواطن السوري جرعة ذل إضافية كلما ذهب للحصول على الخبز؟

وبالأمس أيضا أصدرت الحكومة قرارها العتيد بكيفية توزيع الخبز على المواطنين السوريين، كان الإحساس بالذل واضحا في آلاف التعليقات لمواطنين سوريين، لماذا تصر الحكومة السورية على تجريع المواطن السوري جرعة ذل إضافية كلما ذهب للحصول على الخبز؟

لا يريد بشار الأسد أن يخفف ولو قليلا من جرعة إذلال السوريين، وهو يقولها بكل وضوح: أيها السوريون، لا كرامة لكم، من يريد أن يبقى فعليه أن يقبل بالذل، أنا القابض على لقمة خبزكم، وعلى حبة دوائكم، وعلى كهرباء بيوتكم المعتمة، وعلى دفء لياليكم الباردة، هذه المملكة لي، فلتذهب كرامتكم إلى الجحيم.

في مملكة الذل التي اسمها “سوريا الأسد”، لم يعد هناك من خيارات أمام السوريين، فإما الذل، وإما الثورة. وما التلطي وراء قصص المؤامرة والوطن إلا محاولة مفضوحة لتقبل كل هذا الإذلال.



هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *