الجند نت

أخبار العالم بين يديك

“جهاز الأمن العام”.. ورقة الجولاني الرابحة ووكالة استخبارات تطمح لأبعد من إدلب

“استثمار ونماء.. علم وطموح.. عبادة واطمئنان.. حياة متجددة يعيشها الجميع بحرية وسلام بلا خوف”، هكذا قدّم جهاز الأمن العام في إدلب ومحيطها إنجازاته في الذكرى الأولى لتأسيس الجهاز ضمن تسجيل دعائي مصور.

ومن دون الخوض في التفاصيل والمنجزات، انتقى القائمون على جهاز الأمن العام كلمات ولقطات مصور تُظهر إدلب كما لم تبد من قبل، وتُبعد الصورة النمطية عن منطقة توجت الشرائط الحمر العواجل على مدار 10 سنوات، بأنها أخطر منطقة في العالم تتشابك فيها الصراعات المحلية والإقليمية والدولية وصبغتها فصائل بالسواد على مدار سنوات ومنها هبطت الطائرات الأميركية للقبض على زعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي وفيها بحسب منظور غربي آخر ما تبقى من سيطرة فعلية لتنظيم القاعدة.

 

 

لم يقدم الجهاز في تسجيله المصور عبارات دعائية بعيدة عن الواقع، فبالفعل ظهرت طفرة أمنية وتنموية وتعليمية في إدلب وتحديداً منذ اتفاق الخامس من آذار من العام الفائت، الذي توصل إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد جولة من المعارك امتدت على مدار 9 أشهر. معارك عرّت هيئة تحرير الشام التي كانت الفصيل الأكبر من دون منازع في إدلب بعد القضاء الفصائل الأخرى من الجيش الحر وحركة أحرار الشام الإسلامية. الهيئة التي قدمت نفسها أنها الحامي الموثوق لآخر مناطق السيطرة في شمال غربي سوريا.

كان الجولاني مشتتاً ومتوتراً في اجتماع غرفة عمليات سراقب، وبحضور قادة الجيش الوطني الذين سُمح لهم بالدخول إلى إدلب ومن تبقى من الفصائل الأخرى التي حملت الكلفة العظمى للصمود أمام دولتين ونظام الأسد؛ صرخ الجولاني بوجه قادة جيوشه الثلاثة طالباً منهم بزج مزيد من المقاتلين والبدء بمعركة استرجاع للمدينة التي أخمدت على أطرافها فوهات المدافع التركية والروسية والإيرانية.

كانت معارك حماة وإدلب الأخيرة درساً للجميع من دون استثناء، ولكن الجولاني وبحكم السيطرة المطلقة على إدلب استطاع رسم استراتيجية جديدة للحفاظ على بقاء هيئته ومناطق سيطرته، فكانت المراجعات الفكرية في البداية محاولات الالتصاق الفج بالخطاب الثوري بعيداً عن الجهادي المعتاد، ومن ثم لعب الجولاني ورقته الرابحة الأخيرة.. جهاز الأمن العام الذي أعلن عن تأسيسه في العاشر من حزيران عام 2020.

 

 

يمكن توصيف جهاز الأمن العام بالنظر إلى إنجازاته وهيكليته على أنه جهاز استخبارات مركزي في منطقة تشترك مع تركيا بـ 150 كم ويعاديها النظام وإيران وروسيا، وتفتقد أي ضوابط أمنية ما ترك الباب مفتوحاً أمام خلايا تنظيم الدولة وحزب العمال الكردستاني، ولا تقتصر أهدافه على البعد المحلي وإنما تتجاوز ذلك للتناغم مع الأولويات التركية في الملف السوري وتتناغم مع السياسة العامة بأن هيئة تحرير الشام ليست جبهة النصرة وأن الجولاني ليس أميراً في تنظيم القاعدة.

كيف يعرف الجهاز نفسه؟

قال المتحدث باسم جهاز الأمن العام ضياء الدين العمر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إن انطلاقة الجهاز كانت من “حاجة المجتمع لمنظومة أمنية موحدة لحفظ الأمن والأمان والإسهام في بناء وتنمية المجتمع والقضاء على الأخطار التي تحول دون ذلك”.

ويتشكل الجهاز من عدد من الوحدات والمكاتب مهمتها “جمع البيانات والمعلومات عن المجرمين والرصد ومتابعة الأحداث والمراقبة وتنفيذ مهام التوقيف والتحقيق.

أما عن التبعية فيؤكد العمر أن الجهاز لا يتبع لأي فصيل عسكري ويتعاون مع جميع “المؤسسات والشرائح في المجتمع”. إلا أن الانطباع العام السائد وبقوة في هذه المؤسسات والشرائح لا يترك مجالاً للشك أن جهاز الأمن العام منبثق عن الجهاز الأمني في هيئة تحرير الشام، كما أن القائمين عليه لم يحددوا أي تبعية لحكومة الإنقاذ أو وزارة الداخلية فيها.

الهيكلية وآليات العمل الأمني.. استعراض المؤسساتية

عرف جهاز الأمن العام نفسه في الفيديو الإعلاني الدعائي الذي أطلقه قبل عام على أنه “مؤسسة أمنية منظمة تعمل على ملاحقة العملاء والمجرمين وتتركز مهامها في حفظ أمن الفرد والمجتمع بمؤسساته وفصائله ودورة حياته اليومية.. يخضع لرقابة شرعية تضبط سير الأحكام القضائية وفق آلية محددة”.

وقال العمر في التسجيل الإعلاني المصور: “إن الخطر الأمني في المحرر يمس الشعب بكامله ونحن نخوض حرباً ضد عدو زئبقي لا يعرف الرحمة.. كعملاء الأسد وخلايا الـ ب ك ك والخوارج وعصابات الجريمة المنظمة”.

 

 

يضم جهاز الأمن العام وحدات متخصصة بملفات محددة وهي:

– ملف النظام

– ملف الخوارج

– ملف الجريمة المنظمة

– قسم الأمن الداخلي

– مكتب معلومات المنطقة

– مراكز المراقبة ومتابعة الحركة اليومية

– شعبة جمع المعلومات والاتصالات

– مكتب الادعاء

يركز الجهاز على إظهار حالة عالية من المؤسساتية في إصداراته وتصريحاته، بما يشمل أيضاً آليات تحول المعلومة إلى مهمة اعتقال بإذن موقع من المدعي العام وصولاً إلى تقديم القضية إلى القاضي وصدور الحكم بحق المتهم.

وفي ذلك أوضح المسؤول الشرعي في الجهاز أحمد عبد المعطي أنه “بعد ورود المعلومات إلى الجهاز تُحال القضية إلى الجهة المختصة بنوع الجريمة وتتقدم بطلب الحصول على إذن الاعتقال أو التفتيش للادعاء العام، وينظر المدعي العام إلى الأسباب، فإذا كانت شرعية ومعتبرة يصرح ويحدد الطريقة كتفتيش المنازل والأغراض الشخصية، ثم تتحرك الجهات التنفيذية لاعتقال المتهم ويحال الموقوف إلى مكتب التحقيق الذي يعمل على مرحلتين، الأولى أولية والثانية تحقيق موسع إذا أحاطت التهم بصاحبها”.

وأكد عبد المعطي أنه “لا يمارس أي ضغط على المتهم إلا بعد الحصول على إذن شرعي”.

وأضاف: “تحال القضية ونتائج التحقيق إلى الادعاء العام الذي ينظر في القضية وما وصل إليه المحققون فإذا لم تثبت التهمة يخلى سبيل الموقوف وإذا كانت الأدلة غير كافية يخلى سبيله وتبقى القضية مفتوحة وإذا كان مداناً فإن المدعي العام يقابل المتهم وبعدها يقوم بتوصيف الجريمة توصيفاً شرعياً صحيحاً ويحدد الوسائل التي ثبتت بها الجريمة ويطالب بصفته نائبا عن العامة بالعقوبة الشرعية المناسبة للجرم ثم يحيل القضية إلى القاضي للحصول على موعد للمحاكمة”.

في الموعد المحدد يمثل كل من المدعي العام والمدعى عليه بوصفهما خصمين أمام القضاء ويسمع القاضي الدعوة ويسمع إجابة المدعى عليه ويعطيه الوقت الكافي للدفاع عن نفسه بعدها يدرس القاضي القضية ثم يصدر الحكم الشرعي المناسب لها.

وإذا كان حكم القاضي القتل فتحال القضية إلى لجنة قضائية أعلى تسمى لجنة التصديق، للمصادقة على الحكم، وبعدها يصبح نافذاً، وإلا فإنها تعاد القضية للتوسع والدراسة، بحسب عبد المعطي.

إنجازات عام كامل

قدم المتحدث باسم جهاز الأمن العام ضياء الدين العمر لموقع تلفزيون سوريا إحصائية بأعمال الجهاز على مدار عام من تشكيله:

– 13 عملية ضد خلايا تنظيم الدولة

– إلقاء القبض على 6 خلايا تتبع للنظام

– الكشف عن 4 خلايا خطف

– 4 عمليات انتشار في المدن لضبط الأمن

– الكشف عن 3 جرائم قتل وإلقاء القبض على الفاعلين

– ضبط شحنتي مخدرات

– إلقاء القبض على 3 خلايا سرقة

– 4 أعمال إعادة ممتلكات مسروقة إلى أصحابها

ومن أبرز أعمال الجهاز الأمني، اقتحام مقر لخلية من تنظيم الدولة في قرية كفر دريان التابعة لمنطقة سرمدا في تموز من العام الفائت، ما أسفر عن مقتل والي إدلب في التنظيم “أبو الحارث” وكان قد مضى على تعيينه في منصبه حينذاك 10 أيام. وكذلك مقتل القيادي العراقي البارز في تنظيم الدولة يوسف نومان الملقب “أبو الحارث” شقيق حج تيسير -والي العراق سابقاً- في أيلول الفائت مع أحد مرافقيه غربي إدلب.

وتمكن الجهاز الأمني نهاية العام 2020 وبعد 4 حملات دهم واعتقال من القضاء على خلية “قتيبة البرشة” أحد قيادات الهيئة السابقين الذي انشق عنها واتهمته هيئة تحرير الشام بإيواء قيادات من حراس الدين وتنظيم الدولة وتشكيل مجموعات “احتطاب” (الخطف والقتل والسرقة وطلب الفدية)، وقتيبة كان رأس حربة تحرير الشام في هجومها على فصيل نور الدين زنكي.

وفي الـ 26 من تشرين الثاني تمكن جهاز الأمن العام من تحرير طفل كان مختطفاً في مدينة سلقين لمدة شهر، وألقى القبض على العصابة.

وأعاد جهاز الأمن العام مسروقات لفصيل “جيش العزة” وفيلق الشام، كما أعاد سيارة مسروقة للدفاع المدني وألقى القبض على الفاعلين.

 

قصة إخفاق

جاء مقتل وزير التعليم العالي في حكومة الإنقاذ فايز الخليف بريف حلب الغربي في نيسان الفائت ضربةً هزت أركان الجهاز الأمني، فالوزير اختطف من مدينة إدلب التي تحيط بها حواجز القوة التنفيذية من كل الجهات وخاصة من الجهة الشمالية التي سلكها الخاطفون باتجاه مدينة معرة مصرين.

أكد مصدر خاص ومطلع على القضية أن الخاطفين استغلوا ثغرة أمنية لاختطاف الخليف حيث كان الوزير الوحيد في حكومة الإنقاذ الذي يرفض أن ترافقه قوة حماية، ولذا يرجح المصدر أن الخليف لم يكن مقصوداً بحد ذاته بقدر ما كان الهدف من العملية تحقيق ضربة قوية ضد هيئة تحرير الشام والجهاز الأمني وحكومة الإنقاذ وطلب فدية كبيرة تكون الحكومة عبر مواردها المالية المتنوعة قادرة على سدادها مقابل إطلاق سراح الوزير المختطف.

استنفرت قيادة الجهاز الأمني وحققت مع حواجز القوة التنفيذية التابعة لها في محيط مدينة إدلب، وأعادت توزيع التصريحات الأمنية والتفتيش في خلفيات جميع العناصر المشكوك بتورطهم، وذلك بناء على قناعة بأن الخاطفين لم يكن بمقدورهم مغادرة المدينة بسيارة تحمل المخطوف لولا مساعدة من الجهاز الأمني نفسه.

لم يتمكن موقع تلفزيون سوريا من معرفة ما حدث في التحقيق مع عناصر الحاجز إلا أن معلومات تشير إلى أن رأس الخيط في القضية كان من هنا، وانتهى بتمكن الجهاز الأمني بعد 3 أيام فقط من اعتقال الخلية الخاطفة بكمين محكم ومصور بالفيديو.

عرض جهاز الأمن العام تفاصيل العملية والكمين وبعض المعلومات المبهمة والعامة عن الخلية الخاطفة من دون الدخول في التفاصيل أو خلفيات المعتقلين والمقتولين الذين لم يعرض الجهاز في إصداره المرئي صوراً لوجوههم.

مقتل الوزير

 

رسائل إلى تركيا

يبدو منطقياً ومألوفاً أن يقول المتحدث باسم الجهاز في التسجيل الإعلاني المصور قبل عام إن مهام الجهاز ستطول عملاء النظام وخلايا تنظيم الدولة وعصابات الجريمة المنظمة، إلا أن الزج بحزب العمال الكردستاني كهدف ومهمة للجهاز يشير إلى غايات سياسية أبعد من الأمن المحلي، وهذا ما حدث فعلاً في أول إعلان مصور لجهاز الأمن العام.

عرض الجهاز ضمن الفيديو الإعلاني قبل عام أول قضية أمنية تم الكشف عنها بعد اعتقال المدعو ياسين خليفة مطلع عام 2020 والذي جنّد معه زوجته لتنفيذ أعمال تفجير بدعم من حزب العمال ومخابرات النظام.

اللافت أن خليفة وزوجته لم ينفذا هجماتهما في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام وإنما في مناطق سيطرة الجيش الوطني، ولكن جهاز الأمن العام ألقى القبض عليهما في أثناء عبورهما إلى ريف حلب الغربي، وفي الاعترافات التي عرضها الجهاز لخليفة وزوجته، أكدا أن القواعد التركية ومقار الجيش الوطني كانت أهم أهدافهما للقيام بالتفجيرات.

تطول هذه الرسالة أيضاً الجيش الوطني الذي تشهد مناطق سيطرته تفجيرات لا تتوقف منذ سقوط آخر معاقل تنظيم الدولة على يد التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية وهروب خلاياه إلى شمال غربي سوريا، والعمل على النهوض من هناك مجدداً. تعرض الجيش الوطني لضغوطات شعبية كبيرة بسبب الفشل الأمني في إنهاء التسيب الأمني على مستوى فصائله والاقتتالات الكثيرة التي حدثت، وعلى مستوى القضاء على الخلايا التابعة للنظام و”قسد” وتنظيم الدولة وإيقاف عمليات التفجير.

وفي السابع من آذار الفائت أعلن جهاز الأمن العام عن ضبط ما يزيد على مليوني حبة مخدرات قادمة من ريف حلب الشمالي ومعبأة في عشرات الأطنان من مادة البيرين المستخدمة في التدفئة، حيث كانت وجهتها الموانئ التركية ثم السعودية.

kbtaghwn_adlb.jpg

ومع بداية معركة التحالف الدولي وقسد والحشد الشعبي على مناطق سيطرة تنظيم الدولة في سوريا والعراق، وتحديداً في بداية العام 2018، انتقل الكثير من عناصر وقيادات التنظيم عبر البادية السورية أو طرق التهريب إلى مناطق سيطرة الجيش الوطني في شمالي وشرقي حلب وإلى منطقة إدلب ومحيطها.

زادت هذه الخلايا من عملياتها واستهدفت في إدلب عناصر هيئة تحرير الشام والفصائل الأخرى في المنطقة، وتسببت بمقتل ما يزيد على مئتي مقاتل كان معظمهم من تحرير الشام.

استطاع الجهاز الأمني في النصف الثاني من العام 2018 اعتقال عشرات الخلايا لتنظيم الدولة في مناطق متفرقة من سرمين وحارم ومدينة إدلب وسرمدا وجبل الزاوية، ما أسهم في انخفاض عمليات الاغتيال والتفجيرات بنسبة كبيرة.

تشكيل شرطة سرية وشبكة مخبرين

لم يعلن الجهاز الأمني عن وجود شبكة مخبرين أو متعاونين معه، لكنه كرر مراراً مطالباته بأن “تعاون المجتمع” معهم سيساعدهم في تحقيق أهدافهم، إلا أن مصادر أمنية خاصة أكدت لموقع تلفزيون سوريا أن جهاز الأمن العام قائم على ما كان يعرف بالجهاز الأمني لجبهة النصرة ومن بعدها هيئة تحرير الشام، ويمتلك الآن شبكة واسعة تعود جذورها إلى تلك الفترة، وتتوسع الآن بشكل كبير، وتنتشر هذه الشبكات في المدن الكبرى والرئيسية بشكل كبير، وترتبط بما يسمى وحدة المعلومات، ويرتبط كل مخبر بمسؤول المنطقة من دون أن يعرف المخبرون بعضهم بعضاً.

ولا يقتصر المخبرون على مراقبة المجتمع والأهالي، بل تمكن جهاز الأمن العام من تجنيد مخبرين وعملاء له داخل تنظيم حراس الدين الذي كان هدفاً محققاً لهيئة تحرير الشام في الفترة الماضية ونجحت الهيئة في القضاء عليه ومتابعة ملاحقة ما تبقى منه وزجهم في السجون، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تنظيم حراس الدين يعد الفرع السوري لتنظيم القاعدة.

حقق جهاز الأمن العام إنجازات في الملفات الأمنية ويمضي بتبعية غير مباشرة وقيادات غير معروفة لتحقيق وسمه (#نحو_مجتمع_آمن)، وتحقيق غايات الجولاني في تعزيز الصورة الجديدة التي يرسمها لهيئته ومناطق سيطرتها، وكذلك في التمدد إلى ما هو أبعد من إدلب، وهذا ما سنكشف عنه في تحقيقين لاحقين.



هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *