الجند نت

أخبار العالم بين يديك

بين محكمة كوبلنز ومحكمة السوريين.. أين وصلت قضية إياد الغريب؟

أثارت محكمة كوبلنز الألمانية جدلاً واسعاً داخل أوساط السوريين المعارضين لنظام الأسد، بعد حكمها على ضابط الصفّ المنشّق عن استخبارات نظام الأسد، إياد الغريب، في أول قضية تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا ضمن ما بات يُعرف بـ “قضية فرع الخطيب”.

ونص الحكم الصادر في الـ24 من الشهر الجاري، بالسجن أربع سنوات ونصف بحق الغريب، بعد أن وجدته مذنباً بالتهم المنسوبة إليه، وهي “ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتعذيب معتقلين” في أثناء عمله في فرع المخابرات (251) المعروف بـ “فرع الخطيب”.

أسباب الجدل

في الوقت الذي رحب فيه فريق من السوريين ومنظمات حقوقية بالحكم، واعتبروه انتصاراً من شأنه أن يمهّد الطريق لمحاسبة مجرمي الحرب ومنتهكي حقوق الإنسان في سوريا؛ استهجن آخرون نتيجة المحاكمة واعتبروها غير عادلة لكونها تستهدف شخصاً يعدّ من أوائل المنشقين عن مؤسسات نظام الأسد الأمنية، ولأن الغريب لم يتم جلبه إلى المحكمة بناءً على دعاوى وشكاوى شخصية، بخلاف ما حصل مع الضابط أنور رسلان، وإنما بعد أن قدّم نفسه كـ “شاهد” على انتهاكات ارتكبت داخل فرع الخطيب من قبل مجموعة من العناصر والضباط العاملين فيه.

اقرأ أيضاً: محكمة كوبلنز: النيابة تطلب سجن إياد الغريب والدفاع يدعو لتبرئته

ومنذ ساعة النطق بالحكم حتى لحظة كتابة السطور، لم تهدأ مواقع التواصل الاجتماعي في مناقشة إن كان الحكم صائباً أم باطلاً أم وسطاً. كما وساهمت في الإدلاء بالآراء شخصيات من مختلف الأوساط، السياسية والحقوقية والاجتماعية، والأدبية أيضاً، نظراً لحساسية القضية وخطورتها لما قد تترتب عليها من خطوات تتعلّق بآليات المساءلة والمحاسبة بحق منتهكي جرائم ضد الإنسانية مستقبلاً، سواء من طرف النظام أو المعارضة.

مؤيدو قرار المحكمة

من خلال مدونات ومنشورات مؤيدي صدور الحكم، يُلاحظ أن غالبيتهم رأوا فيه سابقة من الممكن البناء عليها مستقبلاً خلال محاكمات قد تُقام بحق مرتكبي الجرائم ضد السوريين، بصرف النظر إن كان المُدان إياد الغريب أم غيره. فالحكم من وجهة نظرهم صدر بحق “عنصر كان يعمل داخل المنظومة الأمنية الأسدية” قبل الثورة وبعد اندلاعها، ولو لمدة بسيطة. وبالتالي فمن الممكن أن تتم إدانة جميع من بقي يعمل داخل تلك المنظومة بالاعتماد على نتيجة محاكمة الغريب.

وفي الوقت ذاته، لم يبرّئ جزء من تلك الغالبية الغريب، بل اعتبروه هو الآخر جزءاً من تلك المنظومة في مرحلة من المراحل. والأمثلة على فريق مؤيدي قرار الحكم عديدة، إلا أن بيان “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية” الذي يديره الحقوقي أنور البني، يعدّ الأكثر وضوحاً بهذا الشأن.

ونشر البني “بياناً صحفياً” على حسابه في فيس بوك قال فيه إن المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية ” يرحّب بشدة بهذا القرار ويعتبره قراراً تاريخياً ونقطة مضيئة في تاريخ القضاء الألماني وتاريخ العدالة العالمية. القرار تاريخي لأنه ولأول مرة يصدر قرار بحق مجرم ينتمي للنظام السوري وارتكب جرائمه منظومته الأمنية الممنهجة”.

وأضاف: “نعتبر هذا القرار وإن كان خاصاً بمتهم واحد لكن حيثيات قرار الاتهام ومطالبة النيابة العامة تطال نظام الجريمة المنظمة والممنهجة الذي يحكم سوريا بالحديد والنار والخوف والإرهاب. ذلك النظام المجرم بجميع أركانه وشخصياته كان حاضراً كمتهم بكل جلسات المحاكمة. في قرار الاتهام وفي شهادات الشهود والضحايا والخبراء كما كان حاضرا بتهديد الشهود وتهديد عائلاتهم في سوريا”.

 

 

من جهة أخرى، رأى بعض المؤيدين للقرار أن إياد الغريب يستحق، بصفته الشخصية، العقوبة التي حّكم بها. مثال ذلك ما نشره الناشط والكاتب، سامي دريد، عبر حسابه على فيس بوك، حيث اعتبر: “كل من عمل بالأمن منذ نشأة العصابة الأسدية مدان لأنه لم يتطوع بالأمن إلا حبًا بالسيطرة والتشبيح على الناس والنفوذ”.

 

 

منتقدو قرار المحكمة

كثر هم الذين انتقدوا الحكم الصادر بحق الغريب واعتبروه جائراً وظالماً بحق كل من ثار مبكراً ضد نظام الأسد، وبهذا الصدد كتب عماد المصطفى: “هذا الرجل لا تربطني فيه أي علاقة سوى علاقة الثورة، التقيته أول مرة في شباط 2012، ومنذ ذلك الوقت حتى خروجه من دير الزور، ظل إياد بنظري يحمل صورة الثائر الوطني وعنصر الجيش الحر النقي، رغم كل التقلبات التي حصلت لاحقاً للثوار، ولكنها لم تلوث إياد وبقي محافظاً على نقائه ومبادئه”.

 

 

ويضيف المصطفى: “حين التقيته كان منشقاً على الأقل قبل شهرين أو ثلاثة، بالتالي لم يخدم مع النظام سوى شهور قليلة هي التي تمت محاكمته بسببها لأنه (شارك في الاعتقال)، من هذه الناحية يجب محاكمة نصف الشعب السوري ومحافظات بأكملها بقيت صامتة وهي ترى درعا وحمص وحماة ودير الزور حين كان أبناؤها يُقتلون وهم صامتون لأكثر من سنة ونصف”.

اقرأ أيضاً: محكمة كوبلنز الألمانية تصدر حكمها بحق المتهم إياد الغريب

والغالبية من منتقدي القرار، رأوا فيه مؤشراً “خطيراً” من شأنه أن يرهب بقية المنشقين عن نظام الأسد ويمنعهم من الإدلاء بشهاداتهم ضد انتهاكاته. وبهذا الصدد كتبت هالة العلاوي على صفحتها في فيس بوك: “إلى البعض ممن ينسبون أنفسهم للثورة السورية المباركة في جميع أنحاء الأرض: بتجريمكم ومحاكمتكم للمنشقين عن نظام الأسد تكونون قد قدمتم خدمة للمجرم بشار الأسد على طبق من ذهب؛ بأن ابقوا رهن إشارتي وإجرامي أو أن مصيركم سيكون السجن في سجون الدول التي تتغنى بالديمقراطية والعدالة”.

 

 

وراح منتقدون إلى أبعد من هذا وذلك، حين ألقوا باللوم على المنظمات الحقوقية، واعتبروا “ملاحقتها للمنشقين خيانة ولكسب الشهرة” وفي ذلك كتب خليل العكلة: “ما تقوم به بعض المنظمات الحقوقية في أوروبا من ملاحقة الضباط وصف الضباط والجنود الذين انشقوا عن قوات النظام وتضامنوا مع أهاليهم في كل مراحل الثورة هو عمل خياني بكل ما تعني كلمة الخيانة من معنى”.

وأردف: “البعض يريد كسب الشهرة بأعمال تصل إلى حد القذارة، والبعض يبحث عن تمويل مستمر، والبعض يبحث عن نصر وهمي، والأقذر هو من ينفذ مخططا خبيثا لأهداف بعيدة المدى” بحسب وصفه.

 

 

آخرون..

من جهته، كتب الأديب والروائي فواز حداد في قضية إياد: “كانت العبودية شرعية بحكم القانون منذ اليونان، لو لم تتجرأ الإنسانية على إلغائه، لكانت العبودية ما زالت سارية حتى اليوم. ندرك أن كل من ساهم في قضية أنور رسلان وإياد غريب من صحافيين وإعلاميين ورجال قانون، كانت بغيتهم العدالة، لكن القانون ليس نصوصًا جامدة، ومراجعته ضرورة. إن توخي العدالة، لا يستثني قضية الانشقاق، كحالات خاصة استدعتها ظروف خاصة، ما يعيد الاعتبار للمنشقين، ويرفع من شأن إقدامهم على عمل نبيل. إن مراجعة الحكم على إياد غريب، والتبصر في الحكم على أنور رسلان، يسمح للسوريين بتأمل العدالة في حالة العمل، لا في حالة الركود. العدالة ليست مجرد تنفيذ قانون”.

 

 

أما الإعلامية إيمان الجابر، فترى أن إياد قد انتصر مرتين: “حين انشق أول مرة عن النظام وانضم للثورة في بداياتها، والمرة الثانية حين قرر أن يتخلص نهائيًا من إياد غريب -عنصر الأمن- الذي كانَهُ. العدالة الاخلاقية هي التي انتصرت بداخله، وحبذا لو كل المنشقين يحذون حذوه. بأن يكونوا هم الشهود ليس على النظام فحسب، بل على أنفسهم”.

 

 

وأضافت: “قضية اياد تستحق حواراً عميقاً والبحث فيها بعيدًا عن البعبعة الإعلامية، وإذا كنت مع أو ضد، إذا كانت انتصاراً للعدالة أو هزيمة للثورة والنظام معًا. الموضوع ببساطة أن هذا الرجل أراد وبشكل طوعي، أن يستعيد إنسانيته من نظام أمني فظيع سرق ومازال يسرق أبناء الوطن ويحولهم لقتلة ومجرمين، إياد قرر فسخ عقد عمله مع الشيطان. وأعتقد أنه اليوم بأفضل حال، هو الآن حر بشكل كامل. أتمنى أن تتاح لي فرصة إجراء حوار معه في يوم ما”.

أخيراً.. ماذا أراد شقيقه؟

مكرم الغريب، شقيق إياد، كان قد وجّه رسالة عبر صفحته على الـ فيس بوك، للحقوقي أنور البني، مساء السبت، طلب فيها إجراء حوار معه عبر بثّ مباشر، لمناقشته في بعض الأمور.

وبعد مضي يوم كامل من دون ورود ردّ من البني، قرر مكرم نشر تسجيل مصوّر عبر منصة (يوتيوب)، بعد منتصف ليلة أمس الأحد، قال فيه: “ليست الغاية من بث الفيديو تبرئة أخي إياد أو انتقاد حكم محكمة كوبلنز، وإنما لتوضيح بعض الأمور الخافية عن الكثيرين من السوريين ممن تابعوا قضية إياد”.

وأشار إلى أنه طلب إجراء لقاء مع الحقوقي أنور البني “كونه المتصدر للمشهد، إعلامياً وحقوقياً، ولهذا السبب طلبت منه الظهور دون غيره، بهدف طرح بعض التساؤلات”.

ثم عرض مكرم تسجيلاً صوتياً كان قد أذاعه البني في وقت سابق داخل إحدى الغرف على (واتس آب). ومما جاء في أقوال البنّي: “لم أتهم إياد وأنا لا أعرفه. والدليل الوحيد على اتهامه كانت شهادته أمام شرطة دائرة اللجوء. مشكلة إياد أنه وصل بالوقت الغلط، عندما كانت قضية أنور رسلان مفتوحة، واضطر المدعي العام أن يضيفه إلى ملف رسلان”.

اقرأ أيضاً: فورين بوليسي: كوبلينز تسحق أي أمل للنظام بالتطبيع مع أوروبا

وتابع البني: “لو أن إياد راجعنا وسألنا ماذا من الممكن أن يفعل، لكنا قلنا له ماذا يجب أن يقول وماذا يفعل، وجنّبناه الوقوع بالقضية. المعلومات التي وصلتنا عنه إيجابية ولكن اعترافاته هي التي أوقعته”.

بعد ذلك وجّه مكرم سؤالاً عبر تسجيله المصوّر، للبني، قال فيه: “على أي أساس أبديت الاستعداد لمساعدته، هل لأنك مقتنع ببراءته وأنه لا يستحق أن يكون بهذا الموقف، أم أنك على استعداد لمساعدة أي أحد يلجأ إليك بصرف النظر إن كان مجرماً أم لا؟”.

واستطرد: “تصريحك هذا تم ذكره فقط ضمن غرف الواتس، لماذا لم يُذكر أمام وسائل الإعلام؟”.

ولفت مكرم إلى أن فكرة “الانشقاق لا يجب ما قبله صحيحة، ولكن فيما لو أثبت وجود جرم يدين المنشق” مشيراً إلى أن شقيقه لا يوجد ما يدينه مطلقاً، وبأن ما سمّي “اعترافاً شخصياً منه بالمشاركة باعتقال 30 شخصاً وتعذيبهم” ليس صحيحاً.

 

 

وكانت السلطات الألمانية قد سجّلت على إياد الغريب ما اعتبرته “اعترافاً” حين تحدّث عن مشاركته في قمع المتظاهرين بمدينة دوما، حين قال -بحسب ما ورد في تقارير المركز السوري للعدالة والمساءلة: “أخبر المتهم إياد محققي الشرطة (بدائرة اللجوء) أنه ساعد في اعتقال المتظاهرين (نحو 30 متظاهراً) ونقلهم إلى الفرع 251، وأنه كان يعلم أن المعتقلين تعرضوا لسوء المعاملة والتعذيب والقتل في الفرع 251، كانت هناك إشارة واضحة لا لبس فيها إلى أنه قد يتحمل المسؤولية الجنائية”.

وفي تسجيله المصوّر، قال مكرم الغريب: “أتوجه بالسؤال للمراكز الحقوقية التي كانت تزود المحكمة والرأي العام: حين وجهت الشرطة سؤالاً لإياد حول إمكانية اصطفافه لجانب المتظاهرين أثناء مظاهرة دوما ومنع النظام من اعتقال المتظاهرين، لماذا لم تشرحوا للجهات القضائية مدى صعوبة وخطورة الانشقاق على حياته في ذلك الحين؟”.

وفي ختام تسجيله، وجّه مكرم رسالة لـ وزير الخارجية الألماني “الذي وصف المحاكمة بـ الانتصار التاريخي، كان بإمكانك تسجيل انتصار تاريخي لحكومة بلادك وللشعب السوري من خلال إغلاق سفارة نظام الأسد المجرم في برلين التي تبتز السوريين وتقبض منهم الأموال التي يتم دفعها لشراء الرصاص الذي يقتلهم”، معتبراً أن القضية تم استغلالها سياسياً ودعائياً.

 




هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *