الجند نت

أخبار العالم بين يديك

بلغة سردية رشيقة وعميقة.. “الرواية العمياء” بين البصر والبصيرة

لقد مرت في قراءاتنا تجارب لروائيين حولوا قصصهم إلى روايات، كما فعل الراحل حنا مينة، وتجارب لروايات اتكأت على نصوص تاريخية، كما فعل الراحل جمال غيطاني في “الزيني بركات”، أما اتكاء روائي على قصة لصديقه والشغل عليها كي تصبح رواية، فأعتقد أنها تجربة جديدة.. وكم حجم أو عمق هذا الاتكاء، ومدى الإغناء؟ فهذا التساؤل الأول، أما الثاني، فهو: هل تمكن الروائي شاكر نوري من جعل القراء يتواصلون معه في عالمه الافتراضي الذي بناه بين البصر والبصيرة في معهد العميان؟ وهل استطاع أن يشد القارئ إلى تفاصيل روايته الجريئة بعدما كشف شخصياتها والجزء الأكبر من حبكتها في استهلاله؟

 يقول شاكر نوري: لطالما تهيبتُ في البداية لما وجدتني فجأة أعيشُ وسط العميان، نسيتُ بصري، ولذتُ مثلهم ببصيرتي، وبعد تسعة أشهر برفقتهم كأنّها العمر كلّه، بكيت لفراقهم، وتألّمتُ وأنا أدير ظهري لسعادة ما كنت لأعرفها أبداً؛ إذا ما كان لي أن أفتتن بالجمال الأعمى لولا المعشوقة حياة، ولا أن أدرك معنى الشبيه لولا مُقلدي الزيبق، ولا أن أطربَ لأنين الموسيقا لولا المغني فريدون، ولا أن أتعلّق بسحر الكلمات لولا المبدع بورهان، ولا أن أحسَّ بألوان العمى لولا الفنان سيرغين، ولا أن أعجبَ بعظمة الذاكرة لولا الصبي القارئ، ولا أن أكتشفَ المكرَ الأنثوي لولا الشيطانة سلطانة، ولا أن أنتشي بروعة الجسدِ الأعمى  لولا الراقصة ميلاد”.

البناء والسرد

في هذا الاستهلال لا يكثّف المؤلف دواخل شخصيات روايته وحسب، بل يقول ما أراد أن تحمله الحكاية، وهو أن عالم العميان نوّر طريقه، وساعده على اكتشاف نفسه، وتعلم ما لم تعلمه إيّاه حياته الطبيعية، ويكشف أن الراوي “مروان “، قد دخل المعهد وخرج منه سالماً، وهذا كان الخوف الأكبر بالنسبة للموظف الذي تم تكليفه بكشف الفساد في معهد، قتل العميان فيه موظفاً قبله لأنه تجسس عليهم ببصره، متخفياً ببصيرته.

لذلك ترك الروائي والراوي بصرهما يجول في نفوس العميان وحواراتهم ودوافعهم وغرائزهم، مبتعداً عن تفاصيل المكان، فصار المكان ضبابياً، وبات السرد يتكئ على تداعياته، بلغة رشيقة وعميقة، يشبع شاكر نوري عبرها أي مقاربة أو مفارقات يأخذها من كل زاوية لمرمى رؤيته، وتحسبه يعيد أو يكرر عبارات بكاملها، لكنه دائماً كان يضيف جديداً عبر الحوار الداخلي، والحوار مع الآخر الموجود، أو الذي يتم استحضاره “كمدير المعهد” والفكرة تجر السؤال، والسؤال يوّلد تداعياً جديداً، وهكذا “يَتَحلْزن” السرد ويتداخل بمساراته عبر لغة فلسفية رشيقة وعميقة، تطرح أسئلة التأمل والحدس ما بين الظلمات والنور، والبصر والبصيرة، والريبة والتنبؤ والعواطف والغرائز، وتطرح المفارقات والتناقضات بثنائيات جدلية عبر لغة مفعمة بالمجاز والتأويل، شاعرية بحضور مكونات موصوفها أو استحضاره، عميقة بتجلياتها الفلسفية والوجودية، لغة لم تأخذ الراوي أو القارئ إلى رقي خاص، أو إلى مستوى واحد، بل تباينت تبعاً لموضوعها أو حدثها أو شخوصها، كما في تجليات “بورهان” الوجودية والفلسفية، وكما في “مونولوجات” الراوي مروان ذاته، تبعاً للموقف أو الفكرة أو الحالة، أو في حواراته مع شخوص مختلفين، كما مع الزيبق ومع حبيبته حياة، وهذا ما يؤكد حرفية السرد عند الكاتب وتمكنه من لغته الجزلة المكثفة، والرشيقة العميقة في آن.

قصة الشبيه

يقول شاكر نوري: اعتمدت في كتابة ” الرواية العمياء” على  قصة “الشبيه” للكاتب العراقي الراحل فهد الأسدي، وعلى حياة أبو الحسن علي بن إسماعيل والمعروف بـ ابن سِيدَه المُرسيّ ( 398هـ/ 1007م) وهو لغوي أندلسي أعمى، وصاحب كتاب “المحكم والمحيط الأعظم”، وكذلك أرشيف معهد النور لطلبة ذوي الإعاقة البصرية في بغداد،  بالإضافة إلى حوارات مع بعض أساتذة المعهد.

بالعودة إلى قصة “الشبيه” للراحل فهد الأسدي، الذي أهداه شاكر نوري هذه الرواية،  نجد أن الروائي قد أخذ القصة بحذافيرها، وحدد وجوده في المعهد بتسعة شهور، وربما في ذلك إشارة إلى العودة لظلام الرحم، رحم أمه التي ظلت معه خارج المعهد. كما وقام بإضافة ست شخصيات، وإن ترك الأسماء في القصة كما هي، فالمروان يعني الحجر الصلب أو الصوان، وحياة مفارقة للحياة دون بصر، والزيبق اسم على مسمى، ووضع أسماء جديدة بعيدة عن ارتباط الاسم بمعناه الحرفي، قريب من دلالات أخرى كالتنويع في منابت عميان المعهد،”بورهان البخاري” أو تبعاً لشخصية صاحبته “سلطانة الشيطانة” وأخذ الصبي القارئ أسم مهنته.

لا يأبه الكاتب في روايته لمرجعية الشخصيات والبيئة التي نشأت بها، وعليه لم يلتفت إلى أن ثمة فوارق بـ “العمى” بين من خرج من رحم أمه فاقداً لبصره ومن أبصر ضوء الحياة بألوانها في طفولته

لا يأبه شاكر نوري، في روايته هذه، لمرجعية الشخصيات، والبيئة التي نشأت بها، وعليه لم يلتفت إلى أن ثمة فوارق بـ “العمى” بين من خرج من رحم أمه فاقداً لبصره، ومن أبصر ضوء الحياة بألوانها في طفولته، بل نلاحظ أن أغلب شخوصه أصابهم العمى  وهم في سن السابعة تقريباً.. ولم يتعمّق الروائي في تباين العميان بكيفية ومرجعية تقبلهم  لسبب عماهم، وفهمهم لعذاب الدنيا وعذاب الآخرة،  وإيمانهم أو كفرهم تبعاً لذلك.

 وإن كانت الرواية لا تتسع للبحث في بناء شخصياتها، فالشخصية الوحيدة التي بحث في بعض جوانبها الكاتب، هي شخصية بورهان، حيث سلط الضوء على علاقته “الغريبة” بأمه حتى بعد موتها، وبزوجاته المتعددات.

وحرص الروائي على احترام فطنة وذكاء الأعمى، وجسد شخصيات إيجابية وطبيعية مقابل تلك المخادعة والشريرة.. ولكن لا أعتقد أن ثمة عمياناً يمشون مطأطئي الرؤوس، كما جاء في الرواية،  أو على الأقل لم أشاهد في حياتي أعمى ينظر إلى الأرض، كما ولا أعتقد أنه يمكن خداع ملمس أي أعمى، فكيف لحياة التي عاشت علاقة حب مع مروان فيها قبل وأحضان، وملامسات جسدية عميقة، أن يخدعها الزيبق شبيه مروان في غيابه ويفقدها عذريتها؟ ويكون الروائي بذلك قد شكل خروجاً عن قصة “الشبيه”، ومفارقة لم تحدث في تاريخ العميان.

ففي فيلم “أضواء المدينة” لـ شارلي شابلن عام 1931 بعد فراق طويل تعرفه حبيبته التي كانت عمياء من لمست يده. وفي قصة يوسف إدريس “بيت من لحم” يفرّق زوج الأم الأعمى بينها وبين بناتها، ولكن يكون الصمت هو التواطؤ الجماعي. وفي قصة الشبيه: “ورحت والزيبق نتبادل التهم والسباب والأيمان باللغة نفسها وباللهجة نفسها. وفهمت اللعبة، كان هذا الزيبق  قد أجاد تقليدي أمام حياة، ولم يترك ثغرة شك، قلّد أحاديثي بلهجتي نفسها، قلّد مخارج ألفاظي، ولثغ بالراء لثغي بها. حدثها حديثي عن سماء ونجوم. وسار أبعد حين تلامست أيديهما. وكان مما فاتني أن ألمس يد حياة يوماً: إذ كيف لها أن تميز بيننا حين لم تعرف ملمسي يوماً”.

بين عالمين

في مقابلة صحفية معه يقول صاحب رواية “العمى” الأديب البرتغالي خوزيه ساراماغو: “إن أعمالي تتعرض لإمكانية حدوث ما هو مستحيل بطبيعته، وكأني أعقد اتفاقاً ضمنياً مع القارئ، وهو إن ما يهمنا هو التطور المنطقي للفكرة، حتى وإن كانت منافيةً للعقل “.. إنه طلب واضح وصريح من القارئ للتواطؤ مع الروائي لأن ما يهمه هو التطور المنطقي للفكرة في عالم افتراضي قد لا يحكمه المنطق، إنه يريد ما تحمله الحكاية من قول. فهل تمكن الروائي شاكر نوري من جعل القراء يقتنعون بعالمه الحقيقي الذي شكله عن العميان، ويتواطؤون معه في عالمه الافتراضي الذي بناه في معهد العميان؟

 بإضافته للشخصيات الست، أثرى شاكر نوري مسارات السرد، بتنوعها وزخمها، ومنح للبعد الفلسفي الوجودي تجليات جدلية، بين عالمين، عبر “بورهان “، مدير مكتبة العميان، المتصوف في عالم الكتب، والذي جاء بالصبي القارئ ليقرأ له أمهاتها، وليساعده على بعث الثقافة بين صفوف العميان، وحثهم على القراءة وتذوق الفنون، إلا أنه يُقتل في ظروف غامضة. والموسيقي فريدون الذي يساعده مروان على تحقيق حلمه بتأسيس فرقة موسيقية أوركسترالية من العميان، والرسام سرغين الذي ملأ جدران معهد العميان بالرسومات الملونة، وسلطانة الشيطانة، والراقصة ميلاد، بالإضافة إلى حبيبته حياة التي كانت علاقته بها خاتمة الرواية ووحي عنوانها.

ومع أن هذه الإضافات، قد أعطت زخماً وتنوعاً للسرد، لكن حركة الشخصيات في المكان ظلت باهتة، وإن قام بوصف المكان بتوصيفات واضحة المعنى، كالدهاليز والممرات والحديقة المتاهة والمكتبة والمرايا والسقوف، لكن دلالاتها المشهدية غابت بعدم ربط السرد بالزمن الوقائقي.

إنها “رواية عمياء”، وإن حاول الروائي أن يضفي على أحداثها بعداً بوليسياً، بوجود شبكات دعارة ومخدرات، وبمقتل مدير المكتبة “بورهان”، لكن ذلك انتهى مع نهاية الرواية دون متابعة لتلك الخيوط. في حين استطاع الروائي شاكر نوري بإضافة هذه الشخصيات أن يبني عالماً افتراضياً مذهلاً، فأضاف  لشخصية “الزيبق” أتباعاً وشبكات ومخدرات، وطقوساً مبنية على السحر والدجل والأحراز والشعوذة والإنس والجن، وشكل أثاث المكتبة ومحتوياتها من مكونات ساحرة بأضوائها ولوحاتها وكتبها الأسطورية كفهرس الظلام، وأحجارها الكريمة، وعلّق على جدران المعهد لوحات بألوان رائعة لفنان أعمى، وبث معزوفات على البيانو والناي وأكملها بموسيقا أوركسترالية،  وأضاف ممثلين ومسرحية رائعة تحكي عن انتشار الوباء، مضفياً على هذه المسرحية خيالاً غريباً وساحراً؛ مسرح افتراض قائم بذاته ولذاته الصوتية والإيمائية في ظلام خاص. وتلك الشجرة العملاقة التي تحمي أساس المعهد، وفيها تخط الأعشاب كتابات ملتفة ومنحوتة حولها، وشبكات المخدرات والدعارة “المومس العمياء” والتعاطي والتدخين  والحياة الدنيا، وفي حانة العميان: موسيقا ومشروبات كحولية، وعربدة ومجون،  والراقصة ميلاد والأضواء والإثارة بأبعادها الميتافيزيقية والروحية والجسدية. وكأن شاكر نوري يبني عالمه المادي الافتراضي بخيال خاص يضيف على غرائبية الرواية سحراً جميلاً، وأبعاداً خرافية، فيبدو للقارئ أنه خلقه بحاسة اللمس، أي أقرب إلى النحت بالبصيرة منه للألوان التي يربطها بالنور دائماً. عالم افتراضي يموج بين الوهم والحقيقة والواقع والخيال.

مآرب أخرى

أضاف الكاتب لعالم العميان الكثير من حياة وطقوس المبصرين، موسيقا ورسم ومسرح ورقص ومخدرات ودعارة، وذلك بين الواقع والخيال “بفنتازيا” مرتبكة ومربكة

يقول الكاتب شاكر نوري عن روايته: “الرواية العمياء هي سرد البصيرة عند العميان، وسرد العمى عند المبصرين“.

وهو حقاً أضاف لعالم العميان الكثير من حياة وطقوس المبصرين، موسيقا ورسم ومسرح ورقص ومخدرات ودعارة، وذلك بين الواقع والخيال “بفنتازيا” مرتبكة ومربكة، قد يتكئ عليها في تبريره لمنطقية شخوصه، وقد يصبغها بجماليات “واقعية سحرية” بخطوط تماسه بين السردين.. ولكن ستبقى الحكاية، حكاية، فهل كانت حاملاً أيضاً لما سيقوله شاكر نوري؟

ثمة روايات عديدة كُتبت عن العميان، أبرزها رواية (بلاد العميان) لـ هربرت جورج ويلز عام 1904، ورواية (الموسيقي الأعمى) للروسي فلاديمير كورولينكو، ولكل مآربه من حكاياته، وفي رواية “العمى” كانت مآرب الروائي العالمي خوزيه ساراماغو واضحة، فحكايته كانت حاملة لها، ومنها أنَّ أصحاب العمى الذهني يفقدون الأحاسيس والمشاعر في ذروة الكوارث والأوبئة، فيتركون الضحايا بمواجهة المجهول للتخلص منهم كبضاعة كاسدة.. إضافة إلى أن الروائي يكشف الفساد والأنظمة الفاسدة التي تخلّت عن شعاراتها وقيمها.

يرى البعض أن الرواية العمياء تختلف عن بقية الروايات التي كُتبت عن العميان، فهي لا تتقصى عالم العميان وعاداتهم وحياتهم وغرائزهم وبصيرتهم وحسب، بل تؤكد أيضاً أن العميان ليسوا ملائكة، فهم بشر يمكن أن يكونوا فاسدين ومجرمين ومغتصبين وقتلة أيضاً، ، ومسألة تجسس المبصرين على عالم العميان توترهم كثيراً، وقد قتلوا أحد الموظفين عندما اكتشفوا بأنه بصير، دون أن يتركوا أي دليل فردي على جريمتهم. لذلك عاش مروان في معهد تدريب العميان خوفاً رهيباً من اكتشافه. وفي الوقت ذاته، عاش أكبر مغامرة في الحب والصداقة والمحبّة والفن بين أسوار هذا المعهد بعد أن كان ضجراً من حياة المبصرين، فوجد ضالته المنشودة في الحب.. وكان على مروان أن يواجه قدره إما أن يُسمل عينيه ويبقى بين العميان، أو يخطف حبيبته ويعيش خارج أسوار المعهد.. فيختار الهرب مع عشيقته حياة. ولكنه يواجه مشكلة كيفية الاعتراف لها بأنه بصير، فيقوم بسرد روايته التي كتبها في المعهد وهي “الرواية العمياء”، وتكون بذلك نهاية الرواية قد أوحت لعنوانها المثير واللافت والموفق.

سيرة:

شاكر نوري روائي وإعلامي عراقي، مقيم في الإمارات. عاش في باريس ما بين 1977- 2004، وحاز خلالها على إجازة الدكتوراه في السينما والمسرح من السوربون.

عمل مراسلاً لعدد من الصحف العراقية والعربية، وقدّم للمكتبة العربية مجموعة من الأعمال السردية حاز بعضها على جوائز وبخاصة جائزة ابن بطوطة عن كتابه في أدب الرحلات “بطاقة إقامة في بُرجِ بابِل.. يَوميَّات باريس” 2013، وجائزة (كتارا) للرواية العربية عن روايته “خاتون بغداد” 2017، ومن أعماله: نافذة العنكبوت. نزوة الموتى. ديالاس بين يديه. كلاب جلجامش. المنطقة الخضراء. شامان. مجانين بوكا. وغيرها.




هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *