الجند نت

أخبار العالم بين يديك

الوجع صار مزمناً و"اتسع الخرقُ على الراتق"…! 

لقَد أسمَعتَ لَو نادَيتَ حَيًّا 

ولكن لا حَياةَ لِمَن تُنادي 

فَلَو نارًا نَفَختَ بِها أضاءَت 

ولكن كُنتَ تَنفُخُ في الرَّمادِ 

*عمرو بن معدي كرب الزبيدي 

 

لامَسَ الدكتور عزمي بشارة جرحاً سورياً مزمناً موجعاً، طالَ السوريين الذين هَجَرتهم براميل نظام الأسد المتفجرة، ووضعتهم تحت رحمة الذين تصدروا مؤسسات المعارضة التي أسست بهدف الدفاع عنهم، وتقديم قضيتهم للعالم، غير أن المتصدرين وقعوا في شباك إغراء المغانم، التي قدمها العالم لمساعدة السوريين في محنتهم ووقعت بين أيديهم، وبدل أن تسهم هذه المؤسسات في انتشالنا من الحال الموجع الذي سَبَبَه إجرام النظام، فإنها أوصلتنا إلى الوضع الذي نحن فيه، ولا نحسد عليه.  

ترجع أهمية توصيف الدكتور عزمي بشارة لهذا الوجع، كونه صادر عن رجل عايَشَ يوميات الثورة السورية منذ انطلاقتها، وانحاز لها دون مواربة، وقدم النصائح، ووفر الموارد، والفرص التي كان يمكن أن تكون رافداً أساسياً في عملية خلاص السوريين من الحيف، الذي يعيشون في ظلاله وضلاله. 

يشير الدكتور عزمي بشارة (حوار مع تلفزيون العربي- منتصف الشهر الحالي)، أنه “بعد انطلاق الثورة السورية، وهذا التحرر الذي حصل، وحرية التعبير التي حصلت، نجد لدى السوريين صعوبة في العمل المؤسسي، أي نوع من العمل المؤسسي ليس المعارض فقط..” ويضيف” أي مؤسسة سورية نقيمها، وتنجح، تبدأ الخلافات والخصومات، وكأن بركانا من الحساسيات والضغائن.. والنرجسيات.. قد هاج..” ويضيف  أنه  “آن الأوان أن تهدأ الأمور قليلا، وإخضاع النرجسيات والضغائن والحسد لقضية المصلحة العامة المشتركة المتعلقة بمستقبل الشعب السوري “. 

يدعونا هذا التوصيف المؤلم، للبحث في الأسباب التي أدت  إلى  هيجان  “بركان الأنانية” وفي ما يمكن اقتراحه، كي تعود “الثورة السورية” إلى أهدافها السامية، التي خرجت من أجلها، وعنوانها الأبرز: الحرية والكرامة. 

يدعونا هذا التوصيف المؤلم، للبحث في الأسباب التي أدت  إلى  هيجان  “بركان الأنانية”، وفي ما يمكن اقتراحه، كي تعود “الثورة السورية” إلى أهدافها السامية

أعتقد – جازماً، ودون تنظير ملّه السوريون – أن “المصيبة” قد وقعت؛ لأن  السوري  المناسب  (رجل أو امرأة)، لم “يتواضع” ويقبل أن يكون في المكان المناسب، فلطى إلى  “أنانيته ونرجسيته”، بل ووقاحته، ليُدثرَ عجزه، وعدم خبرته، وتالياً فساده، فأسس مؤسسات “من قريبو”.. مؤسسات انعدمت الشفافية في عملها، وعجزت عن طرح  مشاريع ورؤى  وطنية  ضرورية، فانعكس ذلك سلباً، وأصبحنا منذ الأشهر الأولى لانطلاق الثورة، في مواجهة مؤسسات “مسحوب خيرها”، ارتهنت تالياً لداعميها ومصالحهم المتناقضة، وأصبح همّ الخلاص من نظام الإجرام هامشياً، واستبدل بمناكدات وصراعات بين منصات وتيارات وهيئات اغتصبت تمثيل السوريين، وأدى صَغَار القائمين عليها إلى تراجع العالم عن دعم تحقيق هدف “إسقاط النظام المجرم”، وبناء المجتمع المدني الديمقراطي، الذي يكفل لهم حريتهم وكرامتهم. 

يظهر ذلك جلياً في عمل مؤسسات المعارضة السياسية والعسكرية والإعلامية، حيث “اختلط الحابل بالنابل”، وطار العمل المؤسسي، فأصبح الباحث الاجتماعي قائداً سياسياً، ورجل الدين قاضياً شرعياً، والطبيب رئيس منصة، وشيخ العشيرة “مرياعاً” يقود طرش الغنم إلى سكين الجزار، وعامل “صب البيتون” قائداً عسكرياً لجبهة طويلة، والمخبر عند النظام ناطقاً إعلامياً، ومديراً لمنصة إعلامية …إلخ. 

في الوقت نفسه، تأكد – خلال السنوات العشر التي مضت – أن غالبية الذين تصدروا المؤسسات السياسية (إسلاميون كانوا، أم ديمقراطيون، أم ليبراليون، أم… إلخ)، يجهلون النظام الذي خرجوا ضده، ولا يعرفون بنيته وطبيعته الإجرامية المحترفة، وتحالفاته المدمرة، وظهر هذا في تصريحات بعض “جهابذة” المعارضة، وقادة تياراتها ومنصاتها، الذين عشمونا، ذات يوم من سنوات مضت، بلعب “طاولة الزهر” في مقهى الروضة الدمشقي بعد أسابيع (…؟!)، ولم يفهم هؤلاء “القادة المتصدرون”، أن منازلة هذا النظام وإزاحته، ومن ثم تقديمه إلى القضاء العادل، لا يمكن أن تحدث من خلال تصاريح وبيانات إعلامية شعبوية فارغة، بل تحتاج إلى مشاريع متكاملة، ومؤسسات شفافة في عملها المتواصل في الداخل السوري، وليس في العواصم القريبة والبعيدة، وإلى “صبر استراتيجي” يتحقق من خلاله الهدف العظيم للثورة. 

الأنانية والنرجسية وعدم الشفافية والفساد، جعلت “عامل البيتون” قائداً لفصيل عسكري في جبهة ساخنة، فيما الضباط المحترفون المنشقون (هذا إذا سلمنا بوجود ضباط محترفين في جيش أبو شحاطة)، تحولوا إلى محللين عسكريين على الفضائيات لتأمين لقمة عيشهم، أو انزووا في مخيمات اللجوء، ترتعد فرائصهم خوفاً من غضب مدير مخيمٍ  يطردهم ليسلم الخيمة للاجئ آخر دفع جنى عمره، أو طلباً لرضا موظف أممي فاسدٍ يمنع عنهم “السلة الغذائية” ليبيعها خارج المخيم، فتكرش الضباط من طول زمن قعودهم حتى عادوا “بلا رقبة” على حد تعبير الصديق مظفر النواب. 

الأنانية والنرجسية وعدم الشفافية والفساد، أوصلت “المخبر”، والملطخة يداه بدماء السوريين الأبرياء إلى سدة تجمعات المعارضة، ومنصاتها السياسية، فتشبث بها، وأفرغها من هدفها، وسلم عبرها آمال السوريين وأحلامهم، في وطن حر وحياة كريمة، إلى نظام مجرم لا يتردد في ارتكاب الفظائع، ما دام ذلك يؤمن له البقاء على كرسي المنصة أو التيار أو الهيئة.  

الأنانية والنرجسية وعدم الشفافية والفساد أدت  كلها  إلى  أن  يتحول  “كتّاب البوستات”  إلى  إعلاميين، ورؤساء تحرير، ومراسلين، ينطقون ويبررون الفواحش المرتكبة بحق السوريين لمجرد أنهم قريبون من هذا السياسي المعارض أو ذاك، فتمكنوا – عبر إتقانهم فنون التزلف – من استبعاد عشرات، بل مئات الإعلاميين المحترفين، والأقلام الحرة، التي أعلنت انحيازها المبكر لثورة السوريين.. أصدروا وأداروا منشآت إعلامية، تفتقد أوليات المهنة، ولا هم لها إلا الحصول على تمويل يفوق احتياجها، من هذه الجهة الداعمة أو تلك، لتتحول هذه المنشآت إلى شاهد زور لهذه الجهات، متناسية هموم وأوجاع السوريين، الذين هربوا من جحيم النظام وتغول أجهزته الأمنية…! 

الأنانية والنرجسية وعدم الشفافية والفساد، مكنت هؤلاء المتصدرين من طرد  السوري الآخر  الوطني، الذي يموت كل ساعة “ألف موتة”، فأبعدوه، وحطوا من قدره، وسخفوا قدراته، لتغطية هشاشتهم، وعدم اختصاصهم، ودناءة أنفسهم، فـ”ضعنا بين حانا ومانا حتى ابتلت لحانا”، وتلهينا بالهامشي، ونسينا المشكلة الأساسية، ووُضِعنا أمام الديمقراطي الذي يرى المشكلة في الإسلامي، والإسلامي الذي يراها فيه، والليبرالي الذي لم يترك “درخوش” تكسبٍ إلا ودخل عبره، تارة تحت عنوان “ممثل للمجتمع المدني”، وتارة حامل مشروع منظمةٍ للدفاع عن حقوق الإنسان، ولو في بلاد “الواق الواق” الأسطورية. 

الأنانية والنرجسية وعدم الشفافية والفساد، كشفت أن المعارضة التي دفعت سنين طويلة من السجن، والتشرد، كي تطيح بنظام الإجرام، ليس لديها مخزون بشري قادر على قيادة الثورة السورية، والسير بها إلى بر الأمان، ولا تمتلك برامج، ورؤى، ومشاريع وطنية متكاملة، تضئ الطريق للشباب، الذين أعلنوا انطلاق أعظم ثورة عرفها تاريخ العرب من محيطهم إلى خليجهم، وتحولوا (قادة تلك المعارضات) إلى مبدعين في إيجاد الطرق، التي “تُطفش” الشباب الذين ثاروا عن ثورتهم، ولاهمّ لهم إلا مخاطبة مريديهم، الذين اكتفوا بسرد بطولاتهم وذكرياتهم عن مواجهتهم نظام الإجرام يوم كان “على سروج خيله”..! 

الأنانية والنرجسية وعدم الشفافية والفساد، جعلتهم يقارعون النظام المجرم بأدواته العفنة، ومحاكاة أسوأ ما فيه، من فساد اكتوينا به، إلى توريث سكتنا عنه صاغرين، إلى إعلام متخلف تابع، لاهم له إلا التلميع.. إلخ. 

أجزم متألماً، أن صرخة الدكتور عزمي بشارة : “آن الأوان أن تهدأ الأمور قليلا وإخضاع النرجسيات والضغائن والحسد لقضية المصلحة العامة المشتركة المتعلقة بمستقبل الشعب السوري”، لن تجد صدىً إيجابياً لها، وهنيئاً لنظام الإجرام، الذي استطاع “تفصيل” معارضة على مقاسه الملطخ بدماء مئات آلاف السوريين الأبرياء، وأنينهم الموجع في عواصم العالم ومخيمات اللجوء، لأن من اعتاد خلال عشر سنوات على حياة ” الترف والبهنكة”، التي يعيشها على حساب دماء السوريين وركام البيوت المدمرة، لن يقبل التسليم، وسيزرع الألغام في طريق أي عمل إصلاحي، هذا إذا سلمنا بوجود خصمٍ لهم من بعض أصحاب النوايا الطيبة، والقدرة على تحويلها إلى حقائق مجسدة، تساعد على تحقيق الحلم الجميل – حلم الحرية والكرامة – وتسترجع إيمان السوريين بثورتهم، ودعم العالم الحر لها. 

إنه “اللغز” السوري العصي على الحل، ولن يبدأ الخلاص إلا بإزاحة الذين نخروا جسد هذه الثورة العظيمة، وتقديمهم لمحاكم تقتص منهم، وكل ماعدا ذلك “حرثٌ في الريح”…! 



هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *