الجند نت

أخبار العالم بين يديك

المأذون في السينما والسياسة: قيس سعيد والأسد وآخرون

تعدُّ العربية أحد مصادر الشرعية السياسية وينابيعها في الأوطان العربية المحدثة، بعد انقشاع الاستعمار وعودته مقنّعا. ركب جمال عبد الناصر حصان القومية العربية الطروادي، حتى غدا بطل العرب الأوحد في زمانه، وكان كثير اللحن والغلط، أمّا حافظ الأسد فلم يسمعه أحد في خطاب مبثوث متكلما باللهجة الشامية أو العلوية، تخوّفا من نقض قد ينتاب شرعيته، وكان القذافي ناصريا وخطيبا ويدّعي العروبة والإسلام والاشتراكية، ثم جاء زمن قلَّ أن نجد زعيما يُحسن الكلام بلهجة بلده، مثل الملك السعودي الحالي والرئيس اليمني والملك الأردني الذي رُبي في بريطانيا، ” والملك” السيسي في مصر.

أخطاء بشار الأسد قليلة إذا ما قيست بأخطاء زملائه الملوك العرب، وهو خطيب وفيلسوف في تصريف شؤون الكلام عن مواضعه.

كان دريد لحام يغير على العربية غارة الدون كيشوت، وكان غوار يحبُّ استعمالها ويكرر عبارات بعينها في مسرحياته

يزعم هذا المقال أن السينما التي نشأت في مصر، على أيدي وافدين، اجتهدت في السخرية من اللغة العربية. وكان المأذون بعمامته وعربيته “الفصيحة” أحد المشاهد الساخرة والمضحكة في الأفلام العربية الحتمية. ورأينا شخصيات كوميدية مثل الأستاذ حمام في “غزل البنات”، والبنات يغنين أبجد هوز حطي كلمن، ويسخرن منه، وعبد المنعم إبراهيم في فيلم “المراية” وقيل إنه أفضل من أدّى العربية في الأفلام العربية، وقد ارتكب أخطاء فادحة في الفيلم على فضله وأفضاله، وله أدوار أخرى مثل دوره “الشيخ عبد البر” في فيلم إسماعيل يس في الأسطول ودور ثانوي في فيلم  “السفيرة عزيزة” وفي فيلم “غصن الزيتون” وكانت شخصية المأذون في مسرحيات عادل إمام فقرة مضحكة يغير فيها  الممثلون على العربية، فيضحكونهم من لغتهم التي هي عماد ثقافتهم وقوام دينهم، وبها أنزل قرآنهم.

وكان دريد لحام يغير على العربية غارة الدون كيشوت، وكان غوار يحبُّ استعمالها ويكرر عبارات بعينها في مسرحياته، فلم يتطور، وتظهر شخصية الأصمعي التاريخية ميزانا في شقائق النعمان يحاكم بها مؤلف النص الحاضر إلى التاريخ، وكذلك أحمد حلمي في مطب صناعي.

ثم رأينا أفلاما عن اللغة لمدرسي العربية في دور البطولة مثل فيلم محمد هنيدي “رمضان مبروك أبو العلمين حمودة”، واسمه مضحك فهو مبروك، وأبو العلمين، وحمودة مصغّر عن اسم محمد فهو يسعى بكل وسيلة إلى الإضحاك، وفي الفيلم يرتكب المدرس رمضان أخطاء فهو يجهل العربية، وكان يمكن لمراقب النص أن يصلحها لكن غرض الفيلم هو الضحك من العربية، وسمعنا مرة أغنية عربية لمطرب عربي، إفرنجي الاسم، هو يوري مرقدة، يغني:

 “عربي أنا فاخشيني” ويل إذا احببتني.

والصواب أن يقول الويل أو ويلٌ لكن ما يهمُّ هو أن تخشاه حبيبته وليس العدو، وهذا الفحل لا هم له سوى الرقص ورحيق شفتيها، له رمح ليس كرمح عنترة فهو يحرس قفص قلبه المخملي. في أغنيته أخطاء وأغلاط.

اقتصرت العربية في السينما على المأذون، يحضر في مشهد زواج بطل الفيلم من حبيبته، إنه دون مساعد البطل في الفيلم الهندي، وكان غالبا مسلما مواساةً للمشاهد الهندي المسلم وجذبا له.

أطلنا الحديث في السينما لأن السياسة أيضا سينما، فقد انتقل المأذون بوظيفته نفسها إلى المشهد السياسي، يحضر في الانقلابات التي يطلق عليها اسم ثورة فيعقد قران الرئيس على الإمامة، مستعينا ببعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية حتى سمعنا المفتي أحمد حسون، وهو لحّان، مثل بقيّة الممثلين، يقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا، يقصد الشبيحة. لقد كان أكبر “ايفكت” سوري فصيح.

ثم جئنا إلى مشهد قيس سعيّد بلسان عربي مبين من غير ألحان، وهو سبب كتابة هذا المقال، ورأيناه يستدعي الكاميرا، ثم جلس يدبج توقيعه ويمهر القرطاس الرئاسي بتوقيع الرئيس حتى طحنه طحنا ثم لفّه وربطة ربطا محكما، وأعطاه إلى مدير التشريفات وكان ظنّي أنه كان يجب عليه أن يبقى جالسا فهو أكرم للرئيس، ثم سمعناه يخطب تلك الخطبة العصماء القصيرة، التي كنت أود أن أسمعها وهو يهدد بها ماكرون، لكنه مثل الزعماء العرب:

أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة

 ربداء تجفل من صفير الصافرِ

وكان قد خلب لبنا، بسحر البيان واستطاع أن يجذب الناخبين التونسيين، وهذا يعني أن الشعب التونسي يحنُّ إلى ماضيه وإلى لغته، واستطاع ببيانه أن يغلب الإمارات وأموالها والدولة العميقة، التي أزرت خصمه نبيل القروي وأن يفوز بالرئاسة ففرحنا به، وبمعرفته بالقانون الدستوري، ونحن نظنُّ أنَّ القانون الدستوري سينصفنا، ناسين أن الصراع هو صراع قوة وليس صراع قوانين وخطب بيانية. وكان السيسي قد لعب تلك اللعبة عندما ولى المستشار الذي اشتهر بلقب الطرطور عدلي منصور، وبعباءته السوداء.

كان هذا الديك الفصيح قد ارتمى على كتف ماكرون في زيارته لفرنسا وماكرون يستعلي عليه ويتجنبه

ذكّرت آلاف التعليقات قيس سعيد بالخبز والعدل، ونسينا ونحن مبهورين بخطابه وكلماته الجزلة، أنه أعور بين عميان، وكان الأولى به أن يجعل خطاب المداولات في تونس  بين الدوائر الحكومية بالعربية، لكن الحقيقة أن تونس تحت الانتداب الفرنسي المقنع، وهو الذي وقع على الانتداب، وكان هذا الديك الفصيح قد ارتمى على كتف ماكرون في زيارته لفرنسا وماكرون يستعلي عليه ويتجنبه، وكأنه لا يزال في حملة انتخابية  فقد سعى بكل جهده في (إعذار فرنسا التي لم تحتلنا وإنما كانت تحت الحماية الفرنسية)، زاعما أنه ينظر للمستقبل فصفح عن الماضي، وكأنه يبرر فظائع فرنسا، وفظائعها ضد أخت تونس الكبرى الجزائر وكذلك ضد أختها مصر وأختها سوريا وأختها مالي، فبالأمس القريب تسلى ماكرون بقتل 100 طفل مالوي في مدرسة لم يذكرهم أحد، لأنهم حزانى على مقتل مدرس فرنسي.

قيس سعيد هو الذي وقع مع فرنسا في زيارته قبل شهور، بتاريخ 29 يونيو 2020 اتفاقية بانتصاب مكتب إقليمي للفرنكوفونية في تونس محصّن ضد القضاء التونسي وضد التفتيش يستطيع ماكرون أو خلفه فعل ما يشاء في تونس بموجب الاتفاقية.

نختم بأفلام رئيسنا حافظ الأسد التراجيدية، وكان يتحدث بالعربية “الفصحى” والمخابرات بالعلوية الفصحى، الأسد له اللسان والمخابرات الجزمة. هكذا وزع المخرج الأدوار.

في أغنية أبجد هوز التي تغنيها ليلى مراد تقول:

إن قلنا لا يعني نعم.




هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *