الجند نت

أخبار العالم بين يديك

الكوادر الطبية السورية قد تنقذ القطاع الصحي اللبناني

في صورة انتشرت بشكل واسع على شبكات التواصل الاجتماعي، ظهر وزير الصحة اللبناني حمد حسن، الذي شُخّصت إصابته بفيروس كورونا مؤخراً، وهو يوقع على رزمة من الأوراق أثناء رقوده في سريره بالمشفى وتلقيه لعلاج بالأوكسجين. وهكذا توجه كثير من اللبنانيين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن غضبهم العارم تجاه ما اعتبروه دعاية إعلامية، وذلك بعد أيام قليلة من انتشار صور ظهر فيها حسن وهو يسخر من إجراءات التباعد الاجتماعي أثناء وجوده في مأدبة غداء مكتظة بالبشر.

ليس بوسع غالبية من أصيبوابفيروس كورونا في لبنان الحصول على رعاية طبية كتلك التي يتلقاها ذلك الوزير، إذ إن ذلك الشعب بات اليوم يعاني من أزمة اقتصادية بسبب هبوط قيمة العملة بنسبة 80% تقريباً، وهكذا أصبح نصف الشعب يعيش في فقر.

وبعد سلسلة من القرارات المتخبطة والضعيفة والقائمة على أسباب مالية واقتصادية، قضت بفتح البلاد التي تعاني من نقص في التمويل النقدي خلال فترة الأعياد، أصبح لبنان اليوم يعاني من ارتفاع قياسي في عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا والوفيات التي تسبب بها هذا المرض.

نظام صحي متشظٍ

حصل كل ذلك في توقيت كارثي، وقبل مضي ستة أشهر على أحد أقوى الانفجارات غير النووية على مر التاريخ، والذي أدى إلى تدمير مرفاً بيروت، وقتل بسببه أكثر من 200 شخص، وتسبب بتشريد حوالي 300 ألف إنسان.

وهكذا أصبح غالبية الناس في لبنان يشعرون بأن تفشي الجائحة بات يخلق تهديداً غير مسبوق بالنسبة للبنية التحتية الصحية في البلاد، والتي صمدت خلال عقود الحرب الأهلية، والاضطرابات السياسية، وكانت تعتبر أفضل منظومة في تلك المنطقة في زمن من الأزمان.

وهكذا أصبحت الحكومة التي تعتبر “رمزاً للطائفية المريرة” في البلاد، تدين للمنظومة الصحية اللبنانية – التي باتت منقسمة على ذاتها وتجارية – بما يقدر بـ 1.6 مليار دولار أميركي، ويأتي ذلك على شكل دين تسبب بهبوط في قيمة رواتب الممرضين والأطباء بشكل سريع، ما دفع لظهور حالات هجرة جماعية، بحسب ما نوهت إليه منظمة هيومان رايتس ووتش في شهر كانون الأول الماضي، كما تسبب ذلك بظهور نقص في الكوادر ضمن مرافق الرعاية الصحية التي لم تكن على استعداد لمواجهة أزمة كورونا.

واليوم، في الوقت الذي تقوم فيه الدول الغنية بحملات تطعيم، يعاني لبنان من “أسوأ وأشد الجوائح”، إذ بالرغم من عدم توفر ما يكفي من آليات للفحص والكشف عن هذا المرض حتى الآن، ارتفعت حالات تشخيص الإصابة بالمرض بشكل كبير لتصل إلى حوالي 25% بشكل فعلي. وهكذا أصبح لدى كل عائلة، وبينها عائلتي (كاتبة المقال)، شخص واحد على الأقل مصاب بكورونا.

وبلغت وحدات العناية المركزة أقصى حدود قدرتها على الاستيعاب، أما المشافي العامة في أفقر المناطق الريفية، كتلك التي تقيم فيها أسرتي، فقد نفد الأوكسجين لديها. ولهذا بدأت صور أسطوانات الأوكسجين تنتشر عبر اللوحات الإعلانية حتى يقوم بشرائها من لا يستطيع أن يجد سريراً في مشفى أو أن يتحمل تكاليف ذلك.

ثم إن قرار الحكومة الأخير برفع الدعم عن الواردات الطبية، والذي يشمل 85% من اللوازم الدوائية للبلاد، قد ترك الصيدليات فارغة، كما لم تعد مرافق الرعاية الصحية قادرة على استقبال مزيد من المرضى، ولهذا بتنا نسمع كل يوم أخباراً حول وفاة شخص في منزله لم يحالفه الحظ، بسبب كورونا، واليوم فقط، سمعت عن وفاة رجل في الثانية والأربعين من عمره، ترك وراءه زوجة وطفلة عمرها ثلاث سنوات.

ظروف معيشية كتلك التي نراها في الأحياء الفقيرة

بالرغم من صغر مساحة لبنان، إلا أنه يؤوي أكبر نسبة من اللاجئين على مستوى العالم، إذ هنالك شخص لاجئ من بين كل خمسة مواطنين في هذه الدولة.

وفي ظل عدم توفر معلومات كافية عن حالات الإصابة بكورونا، وكذلك حالات الوفاة بين صفوف اللاجئين في لبنان، يخشى كثيرون من تعرض اللاجئين لنسبة أكبر من خطر الإصابة بهذا المرض الخطير ثم الوفاة نظراً لإقامتهم في أماكن مكتظة، في ظل ظروف معيشية تشبه تلك السائدة في الأحياء الفقيرة، ومحدودية قدرتهم في الحصول على الخدمات الصحية.

والأمر المثير للقلق هو انتشار الكثير من الدعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي، أطلقتها شخصيات سياسية بارزة، وذلك لضمان تأمين لقاح مضاد لكورونا (الذي وصل مؤخرا) للمواطنين اللبنانيين فقط.

وبالرغم من أن وزير الصحة أصدر مؤخراً بياناً عاماً حول لقاحات كورونا، وأنه سيتم تأمينها لكل المقيمين، إلا أن هيومان رايتس ووتش ذكرت بأن الغموض مايزال يكتنف الأمور اللوجستية المتعلقة بتوزيع اللقاح بشكل عادل.

وعليه، لن يمثل منع اللقاح عن اللاجئين مجرد جدار فصل طبي فحسب، بل أيضاً من المحتمل أن يحرم لبنان من الوصول إلى مناعة القطيع، الأمر الذي لابد وأن يضر بالمجتمع اللبناني ككل، لاسيما غالبية المواطنين الفقراء الذين يعتبرون الكمامات سلعة باهظة الثمن بما أنهم لا يتمكنون من شرائها.

وبما أنني طبيبة متواجدة على خط الجبهة، فقد عشت بادئ ذي بدء الآثار المدمرة لجائحة كورونا التي تعرضت لها أغلب المشافي التي تتمتع بموارد كثيرة في مدينة نيويورك. واليوم، وبعد مرور عام على ذلك تقريباً، تحولت إلى متفرجة، وأخذت أراقب بكل عجزي هذا الفيروس وهو يدمر أركان منظومة الرعاية الصحية التي تعاني من ضعف هائل في تجهيزاتها ومعداتها، ناهيك عن الانقسام الذي جعلها بالكاد تقف على قدميها، تماماً كما حدث للبلاد التي توجد فيها تلك المنظومة.

ثم إن الخطاب والسياسات المعادية للغرباء التي تبنتها الدولة اللبنانية، لن تفيد إلا بالإضرار بالناس أنفسهم الذين تدعي الحكومة أنها تحاول حمايتهم، إذ خلقت هذه الجائحة فرصة، لا لدعم القوى العاملة في الرعاية الصحية بلبنان فقط وسط أزمة غير مسبوقة، بل أيضاً لدعم وتمكين اللاجئين الذين يتم إقصاؤهم في أغلب الأحوال واستبعادهم من المجالات التي أصبحت حكراً على أبناء البلد.

تناقص القوى العاملة

بين 1.5 مليون لاجئ سوري تقريباً في لبنان، هنالك الكثير من الأطباء والممرضين والمختصين في المجال الصحي الذين تم منعهم بشكل قانوني من مزاولة مهنتهم بعدما حرم قانون العمل اللبناني في عام 2014 السوريين من العمل في مجالات غير الزراعة والبناء وخدمات التنظيف.

إلا أن بعض العاملين السوريين في مجال الرعاية الصحية وجدوا لأنفسهم بدائل، مثل العمل لدى الوكالات الإنسانية الدولية التي تعمل في لبنان.

ولهذا فإن حشد العاملين في مجال الرعاية الصحية من اللاجئين السوريين في لبنان ضمن الاستجابة لأزمة كورونا، لابد أن يصب في مصلحة كلا الشعبين، اللبناني والسوري. ولعل الفائدة الفورية والأكثر وضوحاً لذلك تتمثل برفد القوى العاملة في مجال الرعاية الصحية، والتي أخذت تتضاءل بشكل سريع، إلى جانب تطوير الإمكانيات وزيادتها خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

كما أن تقديم تعويض مناسب وعادل لابد أن يسهم في تخفيف المخاطر المتزايدة التي يتعرض لها الدخل وحالة انعدام الأمن الغذائي، لاسيما بين العاملين في مجال الصحة المنحازين للاجئين، وهذا بدوره يستلزم وجود استثمار طال انتظاره في البنية التحتية المخصصة للرعاية الطبية في تلك البلاد، تلك البنية التي أصبحت حالياً تركز بشكل أكبر على الرعاية الثانوية والثالثية.

وعليه فإن دمج العاملين في مجال الرعاية الصحية من اللاجئين السوريين ضمن استجابة كورونا، يمكن أن يسهم في عودة المودة بين المجتمع المضيف ومجتمع اللاجئين، بما يخفف من التوتر المتزايد بينهما، والذي زادت حدته خلال الأسابيع الماضية بعدما تم إضرام النار في مخيم للاجئين على يد لبنانيين.

ثم إن توفير طريقة للحصول على الإقامة أو الجنسية كما حصل في بلدان أخرى، قد يكون حافزاً للعاملين في الرعاية الصحية يمكن أن يسهم في استبقائهم، خاصة بما أن غالبية اللاجئين السوريين في لبنان إما غير مسجلين أو أن أوراق الهجرة لديهم قد استنفدت مدتها.

القيام بالشيء الصحيح

إن فشل الحكومة اللبنانية في كبح جماح الجائحة بشكل فعال لم يكن مفاجئاً، فغياب رسالة واضحة وموحدة وشفافة لدى القطاع العام الصحي في بيئة مغرقة بالطائفية، اتسمت بانعدام الثقة على مدار عقود داخل مؤسسات الدولة، زاد من حدة تلك الأزمة أيضاً.

إلا أن من يشغلون مناصب القيادة أصبحت أمامهم فرصة، بل التزام وواجب يحتم عليهم القيام بالشيء الصحيح الذي يفيد كل من يعيش في لبنان، وذلك عبر الاستفادة من العدد الكبير للعاملين في قطاع الرعاية الصحية بين صفوف اللاجئين، إلى جانب تطعيم الجميع بصرف النظر عن جواز السفر الذي يحملونه.

المصدر: ميدل إيست آي




هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *