الجند نت

أخبار العالم بين يديك

الفيلم والحياة بين نهاية مفروضة ونهاية متخيلة

تكتنف مهمة المخرج (إياس مقداد) في تحقيق فيلم (المشهد الأخير) 2021 صعوبات متعددة، وذلك لأن مهمة الفيلم في رواية الحدث السوري منذ العام 2011 بمراحله المتعددة بين المظاهرات، الثورة، العنف، الحرب، الهجرة والدمار تبدو اليوم مهمة شاقة، وخصوصاً أن الوثائق الفيلمية التي يملكها المخرج لصناعة فيلمه صورها أخوه (عروة المقداد) وقدمها إليه على ذاكرة رقمية، يقول صوت الراوي في الفيلم: “عليّ إتمام فيلم لم يكن لي، ولم أختر موضوعه”، لكن المخرج ما يلبث أن يتبنى رويداً رويداً موضوعة الفيلم وقضاياه ليصبح بذاته جزءاً من حكاية الفيلم وسرديته.

 

بوستر فيلم المشهد الأخير

 

عن الذاتي في رواية الجمعي، والعائلي في رواية السياسي

عبر حكاية الإخوة الأربعة (فراس، يسار، إياس، عروة) تروى الحكاية السورية. هكذا، يقدم صانع الفيلم حكاية الجمعي عبر حكاية العائلي الذاتي. يقول عروة في الفيلم: “غريب كيف تتحول حياة الناس إلى أفلام؟ كيف يمكن تلخيص حياة الناس في مجموعة من الساعات؟”، لكنه الخيار الذي اتخذه صانع الفيلم، الذي يبدأ بحكاية الأب الضابط المتوفى في العام 2005، لتستمر مع الإخوة الأربعة، ثم الجيل التالي من الأحفاد الذين يشاركون أيضاً كأطفال في تصوير بعض مشاهد الفيلم وتكوين سرديته. وعند سؤالنا صانع الفيلم عن مغامرة الدمج بين الذاتي والجمعي، بين أن الغاية هي حكاية الحدث السوري خلال السنوات العشرة الماضية من خلال المصائر المختلفة والخيارات المختلفة التي تمثلها حكايات الشخصيات.

المصائر المتغيرة على إيقاع المبادئ

تتحول المصائر باستمرار في الفيلم، يتحول فراس من جيش النظام إلى الجيش الحر، يسار يركز على تعليم الأطفال والتدريب على حقوق الإنسان، عروة ينتقل من الصحافة إلى الثورة والكتابة والتصوير، إياس يعود من دراسته السينما في بلجيكا للغوص في الحكاية السورية والعمل على تحقيق الفيلم. هكذا، بمقدار ما يروي الذاتي التجربة الجمعية، بمقدار ما تؤثر التجربة الجمعية بدورها في الخيارات والمصائر الفردية. من يثور؟ من يحمل السلاح؟ من يهاجر؟ من يختار البقاء؟

 

The final scen film stilles_1.1.6.jpg
من فيلم المشهد الأخير

 

طوال دقائق الفيلم التسعين تستمر التساؤلات وتناقش الخيارات التي تقدم عليها الشخصيات، يقول عروة عن مشاركته في المظاهرات الأولى في درعا: “لا أعرف ما الدافع للانخراط في الثورة، شعرت بضرورة أن أحمل الكاميرا وأصور ما يجري من حولي، ثم بدأت تتضح المهمة”، لكنه لا يلبث أن يسائل أفعاله مع تقدم أحداث البلاد والفيلم. وعبر الحوارات المستمرة، يرسم الفيلم ملامح التغير الفكري والسلوكي التي تعيشه الشخصيات، وخصوصاً شخصية (عروة) القادرة على التعبير والتأمل في التحولات التي تعيشها، بل القادرة على النقد الذاتي ونقد التجربة الناشطية السورية برمتها. هذا التساؤل المستمر عن الخيارات الفردية يعطي ديناميكية مستمرة من الإيمان بقضية وإعادة التساؤل حيالها.

الهويات: المُصَوَّر والمُصَوِّر: بين حامل الكاميرا والشخصية داخل الكادر

تتمحور الحبكة الأولية للفيلم حول حكاية الهارد ديسك المليء بالوثائق الفيلمية التي يصورها عروة، لكن يجب على إياس أن يحققها كفيلم سينمائي. لكن إياس أيضاً يشارك كمصور، ثم تنتقل الكاميرا بين أيدي العديد من المصورين بين مشهد وآخر، حتى تضيع هوية حامل الكاميرا. وبالتوازي، فإن جميع المصورين في الفيلم هم أيضاً شخصيات: عروة نفسه مصور الفيلم وأحد شخصياته، أبو كاسر مصور ومصور، الأطفال يحملون الكاميرا ويصورون مشاهد من الفيلم كما أن الأطفال أنفسهم ما يلبثون أن يصبحوا داخل الكادر كشخصيات، ومهما حاول صوت الراوي باستمرار عبر الفيلم أن يشرح لنا من هو المصور ومن هو المصور في كل لقطة، فإن التداخل في ذهن المتلقي يصبح لعبة لولبية، كأنه مفهوم يحاول أن يجسده الفيلم.

 

The final scen film stilles_1.1.7.jpg
من فيلم المشهد الأخير

 

في إحدى المظاهرات تقف الكاميرا أمام وجه طفلة، يسأل المصور: “من هذا الذي تحملين صورته؟”، تخبر الطفلة: “إنه أبي، استشهد في جمعة الصمود”، يتنحى حامل الكاميرا في درعا ويبكي جانباً، كذلك يبكي مونتير الفيلم في بروكسل-بلجيكا، كلاهما حامل الكاميرا والمونتير يبحثان عن الطفلة مجدداً، بعد البكاء، بين المتظاهرين من دون جدوى. هل انتقلت المشاعر بين حامل الكاميرا في درعا والمخرج في بروكسل عبر الصورة، عبر الصوت، أم عبر حكاية الطفلة وتعابير وجهها المؤثرة؟ هكذا، تفتح العديد من المشاهد في الفيلم على إعادة التأويل بين ما أراده المصور، وبين تساؤلات المخرج عن الأحداث، والأفعال، والسلوكيات ذاتها، لتستمر جدلية التحليل والتأويل عبر الحوارات، كما هو الأمر عبر الصورة.

البناء الفيلمي، البناء الحكائي

يعدد صانع الفيلم في تشكيل المادة البصرية والسمعية في فيلمه، هناك الوثائق السمعية البصرية المصورة من الواقع مباشرةً، يدمج الفيلم معها قصائد شعرية وشذرات تأملية من نصوص (عروة المقداد)، وكذلك يتخلل الفيلم بين قسم وآخر مشاهد من عرض كريوغراف مصور مسرحياً لـ(إياس المقداد) بعنوان (عزلة) قدمه الفنان في العام 2017 على عدة مسارح أوروبية، يصبح العرض الأدائي هنا جزءاً من السرد توحي أحياناً الحركة بالتفكك، بالتحلل، بالألم، وكذلك الطبشور الأبيض الذي يغطي به الراقص جسده وثيابه، تبديه ضحيةً خارجة حديثاً من تحت الركام. تتغير تأويلات المتلقي للأداء التعبيري الجسدي في العرض الكريوغرافي بين المشهد والآخر، بين الموضوعة والأخرى من موضوعات الفيلم.

يقسم الفيلم إلى مشاهد، يمنحها صانع الفيلم عناوين توحي ببنية سردية أقرب إلى بنية النص المسرحي أو الرواية، والعناوين تعتبر موضوعات يناقشها الفيلم: (مشهد اللقاء مع الشخصية الرئيسية، مشهد غير متوقع اللص والشرطي، مشهد الهروب أنا لست قاتلاً، مشهد الحب، مشهد غير مكتمل، مشهد في الدفاع عن الذاكرة، مشهد إضافي الروح حجز مسحوق، مشهد الهروب الثالث، مشهد ضروري العودة إلى البداية)، بهذه البنية والعناوين الفكرية-الشعرية يمنح الفيلم المتلقي عدة مستويات داخل الخطوط السردية: السياسي-الاجتماعي، الفردي-الذاتي، العائلي-الجمعي، والفني المكون من نصوص أدبية ومشاهد مسرحية كريوغرافية.

بين النهاية المتخيلة والنهاية غير المعثور عليها

المخرج ينقل إلى المتلقي أسئلته حول الكيفية الأمثل لصناعة الفيلم، يشارك الجمهور أسئلته ليتشكل الفيلم عبرها رويداً رويداً وصولاً إلى كيفية تشكيل مشهد النهاية. كيف ينهي إياس فيلماً صوره عروة؟ كيف يمكن تخيل مشهد النهاية؟ تتراوح النهاية بين النهاية المتخيلة بتحقيق الناشطية الثورية لأهدافها، يقول نص عروة الأدبي: “في العيد أسير في شوارع درعا، مظهراً من الدماء التي سالت كقربان“، وبين النهاية المفروضة من ضحايا، حرب، دمار، وهنا تتحدث النصوص المقروة عن كثافة الخوف، وبين النهاية النقدية، وهنا تتحدث النصوص عن الغرور والفساد الذي تغلغل في الناشطية الثورية، وبين النهاية الفنية المتعلقة بسؤال الفيلم وفائدته وجدواه.

 

The final scen film stilles_1.1.13.jpg
من الفيلم

 

في البحث عن المشهد الأخير، الذي يحمل الفيلم عنوانه، يقترح علينا صوت الراوي نهاية تخييلية، حيث سيدشن السوريون محكمة من عظام الموتى، وينادى في المحاكمة على الشهود، يُنادى باسم المخرج، إياس المقداد للشهادة: “أخبرنا ما الذي رأيت وسمعت؟”، يجيب إياس إنها “وحشية الخيار، سيدي القاضي” هذه النهاية المتخيلة تضع الفيلم في إطار الشهادة على ما يجري، دور الفن بأن يروي ما جرى، الفن المحاكمة، الفيلم- الشهادة هي الدافع الذي يبني عليه المخرج غاية عمله الفني، ليكون العمل الفني جامعاً لكل النهايات المحتملة، أو بالأدق وحده النهاية الأكثر فاعلية. فصول عديدة في الفيلم تناقش موضوعة الذاكرة، يجري التداخل بين الذاكرة الجمعية والذاكرة الفردية، بين الذاكرة الشخصية والثورية، وبين الذاكرة الحقيقية والفيلمية. فالفيلم يتشكل من اجتماع الذواكر لشخصياته، والذاكرة توثق عبر الفيلم، عبر الحكاية السردية لمصائر عائلية.

وحشية الخيار

تحضر الذاكرة أيضاً باستمرار في نصوص عروة الأدبية: “ألم الذاكرة عندما تنسى التفاصيل، إنها وحشية الخيار”. والمقصود بوحشية العنف الذي قوبلت به الشخصيات التي اتخذت خيار الناشطية لأجل الحرية، يتساءل صوت الراوي في الفيلم: “لماذا ندفع هذا الثمن الوحشي لأجل الحرية، رغم أنها خيار بديهي؟”. ثمن التضحية، ثمن الفقدان، ثمن الضحايا والموت، ثمن النزوح واللجوء. يتحدث نص لعروة عن “كثافة الخوف”، وفي نص جميل آخر يحاول كتابة تجربة تصوير البرميل المتفجر: “يحتاج البرميل إلى 20 ثانية للسقوط من الطائرة إلى الأرض، احتاج أنا 30 ثانية لتبديل العدسة اللازمة لتصويره”، وعلى الشاشة نتابع سقوط الكتلة السوداء من السماء، ترتطم بالأرض لتشكل دخان الانفجار ومن بعدها الدمار، في حين يتابع الشريط الصوتي التساؤل بشعرية كيف يمكن تصوير الخوف الساقط من السماء.

يتميز الفيلم بالتعدد الكبير للأمكنة التي تصور فيها الأحداث، بين المدن درعا، دمشق، حلب، بيروت، بروكسل، لوكارنو. في درعا أحداث الثورة الأولى، في حلب حجم الدمار في الفترة التي اعتبرت حلب المدينة الأخطر في العالم، وفي عمان تجربة اللجوء، رمزياً يرتدي عروة حالما يصل إلى عمان غطاء كبيراً مكتوباً عليه UNHCR، حيث يتعمد كلياً كلاجئ، وفي بيروت تبدأ أسئلة التجربة بالتشكل، ولكن اللافت تضمن الفيلم أحداثاً من الثورة اللبنانية في العام 2019، والتي شارك فيها عروة مصوراً أيضاً، والذي يقول في الفيلم: “أيضاً أصور التظاهرات في بيروت بجانب المسجد العمري”، بذلك يقابل بين الثورة السورية 2011 المسجد العمري درعا، وبين الثورة اللبنانية 2019 المسجد العمري وسط المدينة بيروت.

في العرض الذي أقيم في المركز الثقافي الفرنسي في بيروت ضمن إطار أنشطة برنامج مينا-مؤسسة اتجاهات، قدم القائمون على الفيلم عملهم بالعبارات التالية: “المشهد الأخير هو فيلم وثائقي عن بدايات الثورة السورية. يحاول إياس من خلاله العودة للوثائق الأولى التي صوّرها أخوه الأصغر عروة عن الوجه الجميل لذلك الحراك المدني لتتحول الوثيقة في الفيلم إلى نقاش حول الهزيمة التي يمنا بها طالبي الحرية عبر التاريخ وكيف صنع الثوار في سوريا وثيقتهم البصرية كشاهدة لقبورهم. الأخ يبحث عن وجه أخيه الصغير الذي تغيّر وكبر وخاض تحديات جعلت منه بطلاً سينمائياً في فيلم يبحث عن مشهد أخير”.

وجه البطل، وجه الضحية:

على طول الفيلم، يتساءل إياس- المخرج، عن خيارات أخيه عروة- المصور والشخصية الرئيسية في الفيلم، يحاول إياس أن يفهم خيارات الشخصيات، ويصور الفيلم مطولاً تمثالاً برونزياً لدون كيخوته الفارس المثالي برمزية عن الناشطية الثورية، كأنها تتماهى مع مثالية دون كيخوته. لكن عروة يفعل النقد الذاتي: الغرور والفساد والرغبة في البطولة. يتضح سؤال البطولة جوهرياً خلال الفيلم، كيف يرى المخرج هذه الشخصيات التي وصفت بالخارجة إلى الموت بصيحات الحرية، والتي يكتنز فيها الفيلم بمقابلات مع شخصيات تركت التعليم والحياة العاطفية والعائلية لأجل الحراك الثوري. هذا السؤال يشكل هاجس المخرج الفكري: كيف يقيم خيارات وسلوكيات هذه الشخصيات، يجيبنا صوت الراوي قبل نهاية الفيلم: “الوجه الجميل للثورة هو وجه عروة وأصدقائه، الذين ضحوا في سعيهم إلى الفضيلة، إن الطغيان يستمر بسكوت العبيد عنه، فعلوا ما أمكنهم، هم ليسوا أبطالاً أسطوريين، لكنهم أناس يسعون إلى الفضيلة، أخذوا الخيار الصعب، قدرهم التراجيدي، وكل منهم يحمل وجهان: وجه البطل ووجه الضحية”.

ينجح صانع فيلم (المشهد الأخير) بتقديم عمل سينمائي متماسك، يحمل محاور متعددة المستويات البصرية من الوثيقة المصورة إلى المشاهد العالية الفنية من عرض كريوغراف، ومتعددة المستويات الصوتية فيبدو الاهتمام الكبير بتشكيل العالم السمعي للفيلم الذي يجمع بين الغناء والموسيقى الكلاسيكية من القرن العشرين تحديداً أعمال الموسيقي الفرنسي بيير بوليز، ومتعددة المستويات على المستوى التأويلي.

 



هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *