الجند نت

أخبار العالم بين يديك

إضاءات على إلغاء القرار /119/ في شمال شرقي سوريا


الكتابة حول موضع لم يمضِ عليه قرابة الشهر، يحمل من المخاطر بالمقدار نفسه، مما يحمل من توجساتٍ وهمومٍ جمعية، تعيشها المنطقة بمكوناتها المختلفة. خاصة أن البقاء في هذه البلاد يمنحنا أحقية الخوض في غمارِ أيّ موضوعٍ يمس صُلب وجوهر حياتنا اليومية. حيث تناقلت بعض الألسن، استفساراً حول إمكانية أن يكون الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا السيد “عابد المهباش” المعبر الحقيقي عن المزاج العام للإدارة الذاتية، التوجه والمزاج الذي يتوضح فيه الأسى والأسف معاً في لحظة واحدة، لدرجة أن المرء ينسى كيف يُصاب بالدهشة. فهو المدافع الشرس والصُلب عن القرار السيئ بحق الشعب والحيّاة وكل شيء، قرار رفع أسعار الوقود والمحروقات والغاز المنزلي قرابة 250%، بل هو المتصدي لقيادة حملة الدفاع عن القرار.

ولعل أبرز أنواع الدهشة التي جاء بها في معرض بحثه عن مفردات لتسعفه أمام مئات الآلاف المعترضين على القرار، الادعاء بوجود دور أكاديمي وبحثي رصين في تلك الزيادة، دون عرض تلك الدراسات ولا الخلفية الأكاديمية أو التراكمية لمن قام بها. وهو يوضح الاستفسارات والأسئلة حول حجم التراكم المعرفي والميداني لدى قيادات الصف الأول لهذه الإدارة. إذ لم تمضِ 24 ساعة على دفاعه المستميت عن القرار حتى تم إلغاؤه. والحال كهذه كيف لنّا أن نقيم حالة للدفاع عن الفضيحة التي كانت ستنال من حيوات ومستقبل والوجود البشري في شمال وشرقي سوريا، إذ يكفي القول إن قرابة الــ/35/سلعة يرتفع سعرها بمعدل 200-300% لكل مادة، في ظل الغلاء المعيشي، وضعف بنية التنمية الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة وقلة فرص العمل. تلك الفاجعة “القرار” كانت مثل صغير لعيشنا في قلب الفواجع، والمساحات الشاسعة التي تفصل المسؤولين عن الأهالي.

كيفية تنفيذ المجلس التنفيذي لمقترح من إدارة المحروقات، دون علم كل من المجلس التشريعي وأحزاب الإدارة الذاتية المشاركة في المجلس التنفيذي أو غيرها

ثمة مؤشرات وإضاءات مترابطة بشّدة. فهي أولاً تطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية تنفيذ المجلس التنفيذي لمقترح من إدارة المحروقات، دون علم كل من المجلس التشريعي، وأحزاب الإدارة الذاتية المشاركة في المجلس التنفيذي أو غيرها. وثانياً تضع السيد “رياض درار” الرئيس المشارك لمجلس سوريا الديمقراطية موضع الدهشة من موقفه المدافع وبقوة عبر صفحته على الفيس بوك عن قرار رفع أسعار المحروقات، قائلاً إن فوائدها كثيرة منها “وقف التهريب نحو المناطق والدول المجاورة، وتخفيض استفادة الطبقات الميسورة من الدعم على حساب الطبقات الكادحة والفقيرة.. وأن المستفيد من الدعم هو الغني وليس الفقير” وفي هذا رُبما تسطيح للمشهد، إذ إن التصدير لتلك المناطق إنما يتم عن طريق شبكات خاصة تحت حماية البرجوازية الحزبية للإدارة الذاتية. وإن “رفع السعر سيعني دعم الفقير”، هي أحجية وليس بمقدور عقولنا استيعابها. وأضاف أن رفع السعر سيؤدي إلى “تخفيض استخدام الوقود كمصدر للطاقة.. تخفيض نسبة الانبعاث السامة.. وفي هذا مصلحة البيئة.. سيتحول الكثير نحو الحلول البيئية كالخلاية الشمسية” لعل حجم الضرر الذي تسببت به الحراقات البدائية لتكرير النفط الخام في عموم شمال شرقي سوريا أصابت الآلاف بالأمراض الخبيثة والسرطانات، يفوق ما ساقه كدعم للقرار الكارثي، عدا عن حيرة الأهالي في تأمين الخبز وأبسط مستلزمات المعيشة، ليفكروا بالطاقة الشمسية التي تكلف عشرات الآلاف من الدولارات في المشاريع الزراعية.

إلى ذلك، ألغى المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا قرارها السابق رقم /119/ الصادر بتاريخ 17/5/2021، والصادر بناء على مقترح إدارة المحروقات العامة رقم/104/ تاريخ 4/5/2021. والمتضمن رفع أسعار المحروقات المنزلية، والمستعملة في العمل والمعامل والأفران، وسعر جرة الغاز لأكثر من 250%.

في العموم، تبلورت سبع مشاهدات تتوجب التوقف عليها بشكل عملي من قبل جميع الجهات، التكتلات السياسية منها، أو المدنية. وخاصة أن الثابت غير قابل للتجزئة أو التبريرات الجانبية، أن ما شهدته المنطقة كانت رغبات شعبية سلمية بعيدة عن الأجندات السياسية. أولها: أن المنظمات المدنية فشلت على طول السنين الماضية في خلق كتلة متجانسة تتمكن من الحشد والمناصرة لما يدخل في صلب معيشة الأهالي وحيواتهم، وبعد قرابة العقد عن جلسات “المناصرة”. وكانت هذه الكارثة أفضل فرصة لتجسيد تلك الورش عملياً؛ خاصة أنها مسّت حياة الناس وجوهر مستقبلهم، ولم تكن في حجم الحدث لتراقب عمل السلطة، كصُلب مهام عمل منظمات المجتمع المدني.

وثانيها: المتعارف عليه أن التنمية هي أساس نهضة المجتمعات، وأمام ما كانت سيتسبب به هذا القرار من كلفة باهظة للتنمية التي ستنحسر أساساً، فإن خلخلة كانت ستصيب بينة الاقتصاد، وإصابة قطاعات الإنتاج بأكبر انتكاسة، وارتفاع مستوى التضخم والبطالة، ما يعني تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين. ونظراً لزيادة ساعات تقنين الكهرباء فإن حجم تشغيل الاستثمارات والإنتاج الزراعي سيصبحان في أدنى درجاته، وهي بمجملها تداعيات خطيرة على مستوى السطح والعمق سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وبشرياً.

وثالثها: تأخر المجلس الكردي في إصدار بياناً يقف فيه إلى جانب القوة المحلية والمجتمع الأهلي ترك أكثر من إشارة استفهام؛ خاصة أن السياسات المتبعة والخلافات الموجودة جعلت من القواعد الاجتماعية تنحاز إلى أولوية تأمين مستلزماتها قبل التفكير بالمصير السياسي والأمني للمنطقة، وهو ما لم يتمكن المجلس الكردي من تقديم نفسه كحامل جمعي لمشكلات الناس وهمومهم اليومية.

ورابعها: فشلت الأحزاب المنضوية في الإدارة الذاتية وفي مسد من تقديم نفسها كممثلة عن متطلبات ومشكلات وقضايا الوسط الاجتماعي، ويمكن اعتبار البيان الذي أصدرته أربع أحزاب هدفاً ملعوباً ضد كُل الأطراف التي أوضحت موقفها بعد ذلك البيان.

أما خامس المشاهدات: فإن الشعب تجاوز مرحلة انتظار قرار الأحزاب الكردية، والمجتمع المحلي كسر حاجز الخوف، وبعث برسالة واضحة المعالم للإدارة الذاتية مختصرها “عدّم العبث بقوت أبنائها وأرزاقهم”.

وسادسها: تلقفت الإدارة الذاتية وقسد الرسالة جيداً، وأعتقد أنها قسمت المظاهرات لنوعين إحداها أماطت اللثام حول طبيعة العلاقة بينها وبين المجتمعات التي تديرها؛ فالهجوم على المقار الأمنية وقسد في الشدادي والــ/47/ ترك أكثر من إشارة استفهام، حول توجههم صوب جهات أمنية عسكرية، والقرار صادر عن جهة سياسية إدارية. والأخرى في القامشلي وكركي لكي وديرك، وجدت في خسارتها ضرب قاصمة لها.

وسابع المشاهدات: أن الإدارة الذاتية استفادت من تجربة الأنظمة الموغلة في تعاملها بصلابة وصلافة مع شعوبها، والتكاليف الباهظة المترتبة على تلك السياسات، ولجأت إلى إلغاء القرار، استجابة للمطلب الشعبي في خطوة جيدة.

القضية يبدو أنها لم تنتهِ بعد بالشكل الكلي القطعي؛ لورود عبارة “لحين صدور قرار جديد وإجراء التعديلات”

لكن ما أثار فضولي حالياً في إعادة الكتّابة حول الموضوع، بعد إلغائه منذ 19/5/2021، عودة أزمة توفر الوقود والغاز المنزلي، وهل كان رفع السعر إلى ذلك الحد، دون معرفة الكمية والاحتياط المتوفر؟ الواضح أن ما تعيشه المنطقة اليوم، يعكس غياب عقل التخطيط وفقدان الشفافية طيلة الأعوام الماضية، ما ساهم في إيصال الوضع الاقتصادي والمعيشي إلى هذا المستوى من الضعف والخطورة. بالعموم فإن القضية يبدو أنها لم تنتهِ بعد بالشكل الكلي القطعي؛ لورود عبارة “لحين صدور قرار جديد وإجراء التعديلات” بمعنى ربما هناك سعر آخر قادم، غير الذي كان سائداً قبل كل هذه المشكلةـ وهو ما يضع الناس في خانة الانتظار والترقب.

 وعوضاً عن التلاعب بمصير ولقمة عيش الفقراء والجميع على حدٍ سواء، فإن كشف كميات الواردات والمداخيل الاقتصادية، وتفاصيل الميزانية، هو العمل الواجب وجوده، أفضل من محاولة تلميع القرار الكارثي بحق الأبرياء. كما أن الاشتغال على تحويل شكل الإدارة الحالية، إلى إدارة تشاركية جمعية، وإعادة هيكلتها وتشكيل كتّلة بشرية صلبة من مكونات المنطقة، أفضل بكثير من السكوت عن المسارات التي ستُضخِم من حجم المشكلات المتراكمة، بما يؤثر على مستقبل الإدارة الذاتية نفسها خلال الفترات القصيرة المقبلة.



هنا يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *